موسى عليه السلام فى الإسلام
موسى عليه السلام فى الإسلام
نبى و رسول من أولو العزم من الرسل :
ارسله الله تعالى الى فرعون وقومه، وأيده بمعجزتين، إحداهما هي العصا التي تلقف الثعابين، أما الأخرى فكانت يده التي يدخلها في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، دعا موسى الى وحدانية الله فحاربه فرعون وجمع له السحرة ليكيدوا له ولكنه هزمهم بإذن الله تعالى، ثم أمره الله أن يخرج من مصر مع من اتبعه، فطارده فرعون بجيش عظيم، ووقت ان ظن أتباعه انهم مدركون أمره الله ان يضرب البحر بعصاه لتكون نجاته وليكون هلاك فرعون الذي جعله الله عبرة للأخرين
ارسله الله تعالى الى فرعون وقومه، وأيده بمعجزتين، إحداهما هي العصا التي تلقف الثعابين، أما الأخرى فكانت يده التي يدخلها في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، دعا موسى الى وحدانية الله فحاربه فرعون وجمع له السحرة ليكيدوا له ولكنه هزمهم بإذن الله تعالى، ثم أمره الله أن يخرج من مصر مع من اتبعه، فطارده فرعون بجيش عظيم، ووقت ان ظن أتباعه انهم مدركون أمره الله ان يضرب البحر بعصاه لتكون نجاته وليكون هلاك فرعون الذي جعله الله عبرة للأخرين
ولكي نستطيع عرض هذه القصة بالشكل الصحيح.. تم
تقسيمها الى أربعة أجزاء، كل جزء يتناول مرحلة من مراحل حياة هذين النبيين الكريمين.
الجزء الأول : نشاة موسى عليه السلام، وخروجه من مصر الى مدين هاربا من فرعون وجنوده، ولقاءه بربه في الوادي المقدس
الجزء الثانى : يتناول عوده موسى عليه السلام لمصر داعيا الى الله وحده، والصراع بين موسى وفرعون في مصر، وغرق فرعون وجنوده
الجزء الثالث : يتناول حياة موسى عليه السلام مع بني إسرائيل بعد غرق فرعون، والاحداث العظيمة التي حدثت أثناء ضياعهم في صحراء سيناء
الجزء الرابع : يتناول بعض القصص التي حدثت لموسى وقومه، لكن القران الكريم لم يحدد لنا زمان ومكان وقوعها (مثل قصة موسى والعبد الصالح، وقصة قارون)
الجزء الأول: سيرته
أثناء حياة يوسف عليه السلام بمصر، تحولت مصر الى
التوحيد. توحيد الله سبحانه، وهي الرسالة التي كان يحملها جميع الرسل الى أقوامهم
بلا إستثناء. لكن بعد وفاته، عاد أهل مصر الى ضلالهم وشركهم. اما أبناء يعقوب، او أبناء
إسرائيل، فقد اختلطوا بالمجتمع المصري، فضلّ منهم من ضل، وبقي على التوحيد من بقي.
وتكاثر أبناء إسرائيل وتزايد عددهم، واشتغلوا في العديد من الحرف.
ثم حكم مصر ملك جبار كان المصريون يعبدونه. و رأى
هذا الملك بني إسرائيل يتكاثرون ويزيدون ويملكون. وسمعهم يتحدثون عن نبوءة تقول إن
واحدا من أبناء إسرائيل سيسقط فرعون مصر عن عرشه. فاصدر الفرعون أمره الا يلد احد
من بني إسرائيل، اي ان يقتل اي وليد ذكر. وبدا تطبيق النظام، ثم قال مستشارون
فرعون له، ان الكبار من بني إسرائيل يموتون بأجالهم، والصغار يذبحون، وهذا سينتهي الى
افناء بني إسرائيل، فستضعف مصر لقلة الأيدي العاملة بها. والافضل ان تنظم العملية بأن
يذبحون الذكور في عام ويتركونهم في العام الذي يليه.
ووجد الفرعون ان هذا الحل اسلم. وحملت ام موسى بهارون
في العام الذي لا يقتل فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة. فلما جاء العام الذي يقتل
فيه الغلمان ولد موسى. حمل ميلاده خوفا عظيما لامه. خافت عليه من القتل. راحت
ترضعه في السر. ثم جاءت عليها ليلة مباركة أوحى الله إليها فيها للأم بصنع صندوق
صغير لموسى. ثم إرضاعه ووضعه في الصندوق. وإلقاءه في النهر.
كان قلب الام، وهو ارحم القلوب في الدنيا، يمتلئ بالالم
وهي ترمي ابنها في النيل، لكنها كانت تعلم أن الله ارحم بموسى منها، والله هو ربه
ورب النيل. لم يكد الصندوق يلمس مياه النيل حتى اصدر الخالق أمره الى الامواج ان تكون
هادئة حانية وهي تحمل هذا الرضيع الذي سيكون نبيا فيما بعد، ومثلما اصدر الله تعالى
أمره للنار ان تكون بردا وسلاما على ابراهيم، كذلك اصدر أمره للنيل ان يحمل موسى بهدوء
ورفق حتى يسلمه الى قصر فرعون. وحملت مياه النيل هذا الصندوق العزيز الى قصر
فرعون. وهناك اسلمه الموج للشاطئ.
رفض موسى للمراضع :
وفي ذلك الصباح خرجت زوجة فرعون تتمشى في حديقة القصر.
وكانت زوجة فرعون تختلف كثيرا عنه. فقد كان هو كافرا وكانت هي مؤمنة. كان هو قاسيا
وكانت هي رحيمة. كان جبارا وكانت رقيقة وطيبة. وايضا كانت حزينة، فلم تكن تلد. وكانت
تتمنى ان يكون عندها ولد.
وعندما ذهبت الجواري ليملان الجرار من النهر، وجدن
الصندوق، فحملنه كما هو الى زوجة فرعون. فامرتهن ان يفتحنه ففتحنه. فرات موسى بداخله
فاحست بحبه في قلبها. فلقد القى الله في قلبها محبته فحملته من الصندوق. فاستيقظ
موسى وبدا يبكي. كان جائعا يحتاج الى رضعة الصباح فبكى.
فجاءت زوجة فرعون اليه، وهي تحمل بين بيدها طفلا
رضيعا. فسال من اين جاء هذا الرضيع؟ فحدثوه بامر الصندوق. فقال بقلب لا يعرف الرحمة:
لابد انه احد اطفال بني إسرائيل. اليس المفروض ان يقتل اطفال هذه السنة؟
فذكرت اسيا -امراة فرعون- زوجها بعدم قدرتهم على
وطلبت منه ان يسمح لها بتربيته. سمح لها بذلك.
عاد موسى للبكاء من الجوع. فامرت باحضار المراضع.
فحضرت مرضعة من القصر واخذت موسى لترضعه فرفض ان يرضع منها. فحضرت مرضعة ثانية وثالثة
وعاشرة وموسى يبكي ولا يريد ان يرضع. فاحتارت زوجة فرعون ولم تكن تعرف ماذا تفعل.
لم تكن زوجة فرعون هي وحدها الحزينة الباكية بسبب
رفع موسى لجميع المراضع. فلقد كانت ام موسى هي الأخرى حزينة باكية. لم تكد ترمي
موسى في النيل حتى احست انها ترمي قلبها في النيل. غاب الصندوق في مياه النيل واختفت
اخباره. وجاء الصباح على ام موسى فاذا قلبها فارغ يذوب حزنا على ابنها، وكادت تذهب
الى قصر فرعون لتبلغهم نبا ابنها وليكن ما يكون. لولا ان الله تعالى ربط على قلبها
وملا بالسلام نفسها فهدات واستكانت وتركت امر ابنها لله. كل ما في الامر انها قالت
لاخته: اذهبي بهدوء الى المدينة وحاولي ان تعرفي ماذا حدث لموسى.
وذهبت اخت موسى بهدوء ورفق الى جوار قصر فرعون، فاذا
بها تسمع القصة الكاملة. رات موسى من بعيد وسمعت بكاءه، وراتهم حائرين لا يعرفون كيف
يرضعونه، سمعت انه يرفض كل المراضع. وقالت اخت موسى لحرس فرعون: هل ادلكم على أهل بيت
يرضعونه ويكفلونه ويهتمون بأمره ويخدمونه؟
ففرحت زوجة فرعون كثيرا لهذا الامر، وطلبت منها ان
تحضر المرضعة. وعادت اخت موسى واحضرت امه. وارضعته امه فرضع. وتهللت زوجة فرعون وقالت:
"خذيه حتى تنتهي فترة رضاعته واعيديه الينا بعدها، وسنعطيك اجرا عظيما على تربيتك
له". وهكذا رد الله تعالى موسى لامه كي تقر عينها ويهدا قلبها ولا تحزن
ولتعلم ان وعد الله حق وان كلماته سبحانه تنفذ رغم اي شيء. ورغم كل شيء.
نشاة موسى في بيت فرعون :
اتمت ام موسى رضاعته واسلمته لبيت فرعون. كان
موضع حب الجميع. كان لا يراه احد الا احبه. وها هو ذا في اعظم قصور الدنيا يتربى بحفظ
الله وعنايته. بدات تربية موسى في بيت فرعون. وكان هذا البيت يضم اعظم المربين والمدرسين
في ذلك الوقت. كانت مصر ايامها اعظم دولة في الارض. وكان فرعون اقوى ملك في الارض،
ومن الطبيعي ان يضم قصره اعظم المدربين والمثقفين والمربين في الارض. وهكذا شاءت حكمة
الله تعالى ان يتربى موسى اعظم تربية وان يتعهده اعظم المدرسين، وان يتم هذا كله في
بيت عدوه الذي سيصطدم به فيما بعد تنفيذا لمشيئة الخالق.
وكبر موسى في بيت فرعون. كان موسى يعلم انه ليس ابنا
لفرعون، انما هو واحد من بني إسرائيل. وكان يرى كيف يضطهد رجال فرعون وأتباعه بني إسرائيل..
وكبر موسى وبلغ اشده.. (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أهلهَا)
وراح يتمشى فيها. فوجد رجلا من اتباع فرعون وهو يقتتل مع رجل من بني إسرائيل، واستغاث
به الرجل الضعيف فتدخل موسى وازاح بيده الرجل الظالم فقتله. كان موسى قويا جدا،
ولم يكن يقصد قتل الظالم، انما اراد ازاحته فقط، لكن ضربته هذه قتلته. ففوجئ موسى به
وقد مات وقال لنفسه: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ انَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبينٌ).
ودعا موسى ربه: (قَالَ رَب انِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي). وغفر الله تعالى
له، (انَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
اصبح موسى (فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يتَرَقَّب).
كان هذا حال موسى، حال انسان مطارد، فهو خائف، يتوقع الشر في كل خطوة، وهو مترقب، يلتفت
لاوهى الحركات واخفاها.
ووعد موسى بان لا يكون ظهيرا للمجرمين. لن يتدخل
في المشاجرات بين المجرمين والمشاغبين ليدافع عن احد من قومه. وفوجئ موسى أثناء سيره
بنفس الرجل الذي انقذه بالامس وهو يناديه ويستصرخه اليوم. كان الرجل مشتبكا في عراك
مع احد المصريين. وادرك موسى بان هذا الإسرائيلي مشاغب. ادرك انه من هواة المشاجرات.
وصرخ موسى في الإسرائيلي يعنفه قائلا: (انَّك لَغَوِي مُّبينٌ). قال موسى كلمته واندفع
نحوهما يريد البطش بالمصري. واعتقد الإسرائيلي ان موسى سيبطش به هو. دفعه الخوف من
موسى الى استرحامه صارخا، وذكره بالمصري الذي قتله بالامس. فتوقف موسى، سكت عنه الغضب
وتذكر ما فعله بالامس، وكيف استغفر وتاب ووعد الا يكون نصيرا للمجرمين. استدار
موسى عائدا ومضى وهو يستغفر ربه.
وادرك المصري الذي كان يتشاجر مع الإسرائيلي ان
موسى هو قاتل المصري الذي عثروا على جثته امس. ولم يكن احد من المصررين يعلم من القاتل.
فنشر هذا المصري الخبر في ارجاء المدينة. وانكشف سر موسى وظهر أمره. وجاء رجل مصري
مؤمن من اقصى المدينة مسرعا. ونصح موسى بالخروج من مصر، لان المصريين ينوون قلته.
لم يذكر القران الكريم اسم الرجل الذي جاء يحذر
موسى. ونرجح انه كان رجلا مصريا من ذوي الاهمية، فقد اطلع على مؤامرة تحاك لموسى
من مستويات عليا، ولو كان شخصية عادية لما عرف. يعرف الرجل ان موسى لم يكن يستحق القتل
على ذنبه بالامس.. لقد قتل الرجل خطا. فيجب ان تكون عقوبته السجن على اقصى تقدير.
لكن رؤساء القوم وعليتهم، الذين يبدوا انهم كانوا
يكرهون موسى لانه من بني إسرائيل، ولانه نجى من العام الذي يقتل فيه كل مولود ذكر،
وجدوا هذه الفرصة مناسبة للتخلص من موسى، فهو قاتل المصري، لذا فهو يستحق القتل.
خرج موسى من مصر على الفور. خائفا يتلفت ويتسمع ويترقب.
في قلبه دعاء لله (رَب نَجنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ). وكان القوم ظالمين
حقا. الا يريدون تطبيق عقوبة القتل العمد عليه، وهو لم يفعل شيئا اكثر من انه مد يده
وازاح رجلا فقتله خطا؟
خرج موسى من مصر على عجل. لم يذهب الى قصر فرعون
ولم يغير ملابسه ولم ياخذ طعاما للطريق ولم يعد للسفر عدته. لم يكن معه دابة تحمله
على ظهرها وتوصله. ولم يكن في قافلة. انما خرج بمجرد ان جاءه الرجل المؤمن وحذره
من فرعون ونصحه ان يخرج. اختار طريقا غير مطروق وسلكه. دخل في الصحراء مباشرة واتجه
الى حيث قدرت له العناية الالهية ان يتجه. لم يكن موسى يسير قاصدا مكانا معينا.
هذه اول مرة يخرج فيها ويعبر الصحراء وحده.
-------
موسى في مدين :
ظل يسير بنفسية المطارد حتى وصل الى مكان. كان هذا
المكان هو مدين. جلس يرتاح عند بئر عظيمة يسقي الناس منها دوابهم. وكان خائفا طوال
الوقت ان يرسل فرعون من وراءه من يقبض عليه.
لم يكد موسى يصل الى مدين حتى القى بنفسه تحت شجرة
واستراح. نال منه الجوع والتعب، وسقطت نعله بعد ان ذابت من مشقة السير على الرمال
والصخور والتراب. لم تكن معه نقود لشراء نعل جديدة. ولم تكن معه نقود لشراء طعام او
شراب. لاحظ موسى جماعة من الرعاة يسقون غنمهم، ووجد امراتين تكفان غنمهما ان يختلطا
بغنم القوم، احس موسى بما يشبه الالهام ان الفتاتين في حاجة الى المساعدة. تقدم
منهما وسال هل يستطيع ان يساعدهما في شيء.
قالت احداهما: نحن ننتظر ان ينتهي الرعاة من سقي
غنمهم لنسقي.
سال موسى: ولماذا لا تسقيان؟
قالت الأخرى: لا نستطيع ان نزاحم الرجال.
اندهش موسى لانهما ترعيان الغنم. المفروض ان يرعى
الرجال الاغنام. هذه مهمة شاقة ومتعبة وتحتاج الى اليقظة.
سال موسى: لماذا ترعيان الغنم؟
فقالت واحدة منهما: ابونا شيخ كبير لا تساعده
صحته على الخروج كل يوم للرعي.
فقال موسى: ساسقي لكما.
سار موسى نحو الماء. وسقى لهم الغنم مع بقية الرعاة.
وفي رواية ان ان الرعاة قد وضعوا على فم البئر بعد ان انتهوا منها صخرة ضخمة لا يستطيع
ان يحركها غير عدد من الرجال. فرفع موسى الصخرة وحده. وسقى لهما الغنم واعاد الصخرة
الى مكانها، وتركهما وعاد يجلس تحت ظل الشجرة. وتذكر لحظتها الله وناداه في قلبه:
(رَب انِّي لِمَا انزَلْتَ الَي مِنْ خَيرٍ فَقِيرٌ).
عادت الفتاتان الى ابيهما الشيخ.
سال الاب: عدتما اليوم سريعا على غير العادة؟!
قالت احداهما: تقابلنا مع رجل كريم سقى لنا الغنم.
فقال الاب لابنته: اذهبي اليه وقولي له: (انَّ ابي
يدْعُوك) ليعطيك (اجرَ مَا سَقَيتَ لَنَا).
ذهبت واحدة من الفتاتين الى موسى، ووقفت امامه وابلغته
رسالة ابيها. فنهض موسى وبصره في الارض. انه لم يسق لهما الغنم لياخذ منهن اجرا، وانما
ساعدهما لوجه الله، غير انه احس في داخله ان الله هو الذي يوجه قدميه فنهض. سارت البنت
امامه. هبت الرياح فضربت ثوبها فخفض موسى بصره حياء وقال لها: ساسير انا امامك ونبهيني
انت الى الطريق.
وصلا الى الشيخ. قال بعض المفسرين ان هذا الشيخ
هو النبي شعيب. عمر طويلا بعد موت قومه. وقيل انه ابن اخي شعيب. وقيل ابن عمه، وقيل
رجل مؤمن من قوم شعيب الذين امنوا به. لا نعرف اكثر من كونه شيخا صالحا.
قدم له الشيخ الطعام وساله: من اين قدم والى اين
سيذهب؟ حدثه موسى عن قصته. قال الشيخ: (لَا تَخَفْ نَجوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).
هذه البلاد لا تتبع مصر، ولن يصلوا اليك هنا. اطمان موسى ونهض لينصرف.
قالت ابنة الشيخ لابيها همسا: (يا ابتِ اسْتَاجرْهُ
انَّ خَيرَ مَنِ اسْتَاجرْتَ الْقَوِي الْامِينُ).
سالها الاب: كيف عرفت انه قوي؟
قالت: رفع وحده صخرة لا يرفعها غير عدد رجال.
سالها: وكيف عرفت انه امين؟
قالت: رفض ان يسير خلفي وسار امامي حتى لا ينظر الي
وانا امشي. وطوال الوقت الذي كنت اكلمه فيه كان يضع عينيه في الارض حياء وادبا.
وعاد الشيخ لموسى وقال له: اريد يا موسى ان ازوجك
احدى ابنتي على ان تعمل في رعي الغنم عندي ثماني سنوات، فان اتممت عشر سنوات، فمن كرمك،
لا اريد ان اتعبك، (سَتَجدُنِي ان شَاء الله مِنَ الصَّالِحِينَ). قال موسى: هذا اتفاق
بيني وبينك. والله شاهد على اتفاقنا. سواء قضيت السنوات الثمانية، او العشر سنوات
فانا حر بعدها في الذهاب.
يخوض الكثيرون في تيه من الاقاصيص والروايات، حول
اي ابنتي الشيخ تزوج، واي المدتين قضى. والثابت ان موسى تزوج احدى ابنتي الشيخ. لا
نعرف من كانت، ولا ماذا كان اسمها. وهذه الامور سكت عنها السياق القراني. الا انه استنادا
الى طبيعة موسى وكرمه ونبوته وكونه من اولي العزم. نرى انه قضى الاجل الاكبر. وهذا
ما يؤكده حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وهكذا عاش موسى يخدم الشيخ عشر سنوات كاملة.
موسى ورعي الغنم :
وكان عمل موسى ينحصر في الخروج مع الفجر كل يوم
لرعي الاغنام والسقاية لها.
ولنقف هنا وقفة تدبر. ان قدرة الالهية نقلت خطى
موسى -عليه السلام- خطوة بخطوة. منذ ان كان رضيعا في المهد حتى هذه اللحظة. القت به
في اليم ليلتقطه ال فرعون. والقت عليه محبة زوجة فرعون لينشا في كنف عدوّه. ودخلت به
المدينة على حين غفلة من أهلها ليقتل نفسا. وارسلت اليه بالرجل المؤمن من ال فرعون
ليحذره وينصحه بالخروج من مصر. وصاحبته في الطريق الصحراوي من مصر الى مدين وهو وحيد
مطارد من غير زاد ولا استعداد. وجمعته بالشيخ الكبير لياجره هذه السنوات العشر. ثم
ليعود بعدها فيتلقى التكليف.
هذا خط طويل من الرعاية والتوجيه، قبل النداء والتكليف.
تجربة الرعاية والحب والتدليل. تجربة الاندفاع تحت ضغط الغيظ الحبيس، وتجربة الندم
والاستغفار. وتجربة الخوف والمطاردة. وتجربة الغربة والوحدة والجوع. وتجربة الخدمة
ورغي الغنم بعد حياة القصور. وما يتخلل هذه التجارب الضخمة من تجارب صغيرة، ومشاعر
وخواطر، وادراك ومعرفة. الى جانب ما اتاه الله حين بلغ اشده من العلم والحكمة.
ان الرسالة تكليف ضخم شاق، يحتاج صاحبه الى زاد
ضخم من التجارب والادراك والمعرفة، الى جانب وحي الله وتوجيهه. ورسالة موسى تكليف
عظيم، فهو مرسل الى فرعون الطاغية المتجبر، اعتى ملوك الارض في زمانه، واشدهم استعلاء
في الارض. وهو مرسل لاستنقاذ قوم قد شربوا من كؤوس الذل حتى استمراوا مذاقه. فاستنقاذ
قوم كهؤلاء عمل شاق عسير.
فتجربة السنوات العشر جاءت لتفصل بين حياة القصور
التي نشا فيها موسى -عليه السلام- وحياة الجهد الشاق في الدعوة وتكاليفها العسيرة.
فلحياة القصور جوا وتقاليد خاصة. اما الرسالة فهي معاناة لجماهير من الناس فيهم الغني
والفقير، المهذب والخشن، القوي والضعيف، وفيهم وفيهم. وللرسالة تكاليفها من المشقة
ومن التجرد احيانا، وقلوب أهل القصور في الغالب لا تصبر طويلا على الخشونة والحرمان
والمشقة.
فلما استكملت نفس موسى -عليه السلام- تجاربها، واكملت
مرانها، بهذه التجربة الاخيرة في دار الغرة. قادت القدرة الالهية خطاه مرة اخرى عائدة
به الى مهبط راسه، ومقر أهله وقومه، ومجال عمله. وهكذا نرى كيف صُنِعَ موسى على عين
الله، وكيف تم اعداده لتلقي التكليف.
عودة موسى لمصر قصة سيدنا موسى عليه السلام
الجزء الثانى: عودة موسى لمصر
ترى اي خاطر راود موسى، فعاد به الى مصر، بعد انقضاء
الاجل، وقد خرج منها خائفا يترقب؟ وانساه الخطر الذي ينتظره بها، وقد قتل فيها نفسا؟
وهناك فرعون الذي كان يتامر مع الملا من قومه ليقتلوه؟
انها قدرة الله التي تنقل خطاه كلها. لعلها قادته
هذه المرة بالميل الفطري الى الأهل والعشيرة والوطن. وانسته الخطر الذي خرج هاربا
منه وحيدا طريدا. ليؤدي المهمة التي خلق لها.
خرج موسى مع أهله وسار. اختفى القمر وراء اسراب
من السحاب الكثيف وساد الظلام. اشتد البرق والرعد وامطرت السماء وزادت حدة البرد والظلام.
وتاه موسى أثناء سيره. ووقف موسى حائرا يرتعش من البرد وسط أهله.. ثم رفع راسه فشاهد
نارا عظيمة تشتعل عن بعد. امتلا قلبه بالفرح فجاة. قال لأهله: اني رايت نارا هناك.
أمرهم ان يجلسوا مكانهم حتى يذهب الى النار لعله ياتيهم
منها بخبر، او يجد احدا يساله عن الطريق فيهتدي اليه، او يحضر اليهم بعض اخشابها المشتعلة
لتدفئتهم.
وتحرك موسى نحو النار. سار موسى مسرعا ليدفئ
نفسه. يده اليمنى تمسك عصاه. جسده مبلل من المطر. ظل يسير حتى وصل الى واد يسمونه
طوى. لاحظ شيئا غريبا في هذا الوادي. لم يكن هناك برد ولا رياح. ثمة صمت عظيم ساكن.
واقترب موسى من النار. لم يكد يقترب منها حتى نودي: (ان بورِك مَن فِي النَّارِ
وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبحَانَ الله رَب الْعَالَمِينَ).
نظر موسى في النار فوجد شجرة خضراء. كلما زاد تاجج
النار زادت خضرة الشجرة. والمفروض ان تتحول الشجرة الى اللون الاسود وهي تحترق. لكن
النار تزيد واللون الاخضر يزيد. كانت الشجرة في جبل غربي عن يمينه، وكان الوادي الذي
يقف فيه هو وادي طوى.
ثم ارتجت الارض بالخشوع والرهبة والله عز وجل ينادي:
يا مُوسَى
فاجاب موسى: نعم.
قال الله عز وجل: انِّي انَا رَبك
ازداد ارتعاش موسى وقال: نعم يا رب.
قال الله عز وجل: فَاخْلَعْ نَعْلَيك انَّك بالْوَادِ
الْمُقَدَّسِ طُوًى
انحنى موسى راكعا وجسده كله ينتفض وخلع نعليه.
عاد الحق سبحانه وتعالى يقول: وَانَا اخْتَرْتُك
فَاسْتَمِعْ لِمَا يوحَى (13) انَّنِي انَا الله لَا الَهَ الَّا انَا فَاعْبدْنِي
وَاقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكرِي (14) انَّ السَّاعَةَ اتِيةٌ اكادُ اخْفِيهَا لِتُجزَى
كلُّ نَفْسٍ بمَا تَسْعَى (15) فَلَا يصُدَّنَّك عَنْهَا مَنْ لَا يؤْمِنُ بهَا وَاتَّبعَ
هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) (طه)
زاد انتفاض جسد موسى وهو يتلقى الوحي الالهي ويستمع
الى ربه وهو يخاطبه.
قال الرحمن الرحيم: وَمَا تِلْك بيمِينِك يا
مُوسَى
ازدادت دهشة موسى. ان الله سبحانه وتعالى هو الذي
يخاطبه، والله يعرف اكثر منه انه يمسك عصاه. لماذا يساله الله اذن اذا كان يعرف اكثر
منه؟! لا شك ان هناك حكمة عليا لذلك.
اجاب موسى: قَالَ هِي عَصَاي اتَوَكا عَلَيهَا وَاهُشُّ
بهَا عَلَى غَنَمِي وَلِي فِيهَا مَارِب اخْرَى
قال الله عز وجل: الْقِهَا يا مُوسَى
رمى موسى العصا من يده وقد زادت دهشته. وفوجئ بان
العصا تتحول فجاة الى ثعبان عظيم الحجم هائل الجسم. وراح الثعبان يتحرك بسرعة. ولم
يستطع موسى ان يقاوم خوفه. احس ان بدنه يتزلزل من الخوف. فاستدار موسى فزعا وبدا يجري.
لم يكد يجري خطوتين حتى ناداه الله: يا مُوسَى لَا تَخَفْ انِّي لَا يخَافُ لَدَي الْمُرْسَلُونَ.
عاد موسى يستدير ويقف. لم تزل العصا تتحرك. لم
تزل الحية تتحرك.
قال الله سبحانه وتعالى لموسى: خُذْهَا وَلَا
تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْاولَى
مد موسى يده للحية وهو يرتعش. لم يكد يلمسها حتى
تحولت في يده الى عصا. عاد الامر الالهي يصدر له: اسْلُك يدَك فِي جيبك تَخْرُج بيضَاء
مِنْ غَيرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ الَيك جنَاحَك مِنَ الرَّهْب
وضع موسى يده في جيبه واخرجها فاذا هي تتلالا كالقمر.
زاد انفعال موسى بما يحدث، وضع يده على قلبه كما أمره الله فذهب خوفه تماما..
اطمان موسى وسكت. واصدر الله اليه امرا بعد هاتين
المعجزتين -معجزة العصا ومعجزة اليد- ان يذهب الى فرعون ليدعوه الى الله برفق ولين،
ويأمره ان يخرج بني إسرائيل من مصر. وابدى موسى خوفه من فرعون. قال انه قتل منهم
نفسا ويخاف ان يقتلوه. توسل الى الله ان يرسل معه اخاه هارون. طمان الله موسى انه
سيكون معهما يسمع ويرى، وان فرعون رغم قسوته وتجبره لن يمسهما بسوء. افهم الله
موسى انه هو الغالب. ودعا موسى وابتهل الى الله ان يشرح له صدره وييسر أمره ويمنحه
القدرة على الدعوة اليه. ثم قفل موسى راجعا لأهله بعد اصطفاء الله واختياره رسولا الى
فرعون. انحدر موسى بأهله قاصدا مصر.
يعلم الله وحده اي افكار عبرت ذهن موسى وهو يحث
خطاه قاصدا مصر. انتهى زمان التامل، وانطوت ايام الراحة، وجاءت الاوقات الصعبة اخيرا،
وها هو ذا موسى يحمل امانة الحق ويمضي ليواجه بها بطش اعظم جبابرة عصره واعتاهم. يعلم
موسى ان فرعون مصر طاغية. يعلم انه لن يسلمه بني إسرائيل بغير صراع. يعلم انه سيقف
من دعوته موقف الانكار والكبرياء والتجأهل. لقد أمره الله تعالى ان يذهب الى
فرعون. ان يدعوه بلين ورفق الى الله. اوحى الله لموسى ان فرعون لن يؤمن. ليدعه
موسى وشانه. وليركز على اطلاق سراح بني إسرائيل والكف عن تعذيبهم. قال تعالى لموسى
وهارون: (فَاتِياهُ فَقُولَا انَّا رَسُولَا رَبك فَارْسِلْ مَعَنَا بنِي إسرائيل
وَلَا تُعَذِّبهُمْ). هذه هي المهمة المحددة. وهي مهمة سوف تصطدم بالاف العقبات. ان
فرعون يعذب بني إسرائيل ويستعبدهم ويكلفهم من الاعمال ما لا طاقة لهم به، ويستحيي
نسائهم، ويذبح ابنائهم، ويتصرف فيهم كما لو كانوا ملكا خاصا ورثه مع ملك مصر. يعلم
موسى ان النظام المصري يقوم في بنيانه الاساسي على استعباد بني إسرائيل واستغلال
عملهم وجهدهم وطاقاتهم في الدولة، فهل يفرط الفرعون في بناء الدولة الاساسي ببساطة
ويسر؟ ذهبت الافكار وجاءت، فاختصرت مشقة الطريق. ورفع الستار عن مشهد المواجهة.
مواجهة فرعون :
واجه موسى فرعون بلين ورفق كما أمره الله. وحدثه
عن الله. عن رحمته وجنته. عن وجوب توحيده وعبادته. حاول ايقاظ جوانبه الانسانية في
الحديث. المح اليه انه يملك مصر، ويستطيع لو اراد ان يملك الجنة. وكل ما عليه هو ان
يتقي الله. استمع فرعون الى حديث موسى ضجرا شبه هازئ وقد تصوره مجنونا تجرا على مقامه
السامي. ثم سال فرعون موسى ماذا يريد. فاجاب موسى انه يريد ان يرسل معه بني إسرائيل.
ويعجب فرعون وهو يرى موسى يواجهه بهذه الدعوى العظيمة،
ويطلب اليه ذلك الطلب الكبير. فاخر عهد فرعون بموسى انهم ربوه في قصره بعد ان التقطوا
تابوته. وانه هرب بعد قتله للقبطي الذي وجده يتعارك مع الإسرائيلي. فما ابعد المسافة
بين اخر عهد فرعون بموسى اذن وهذه الدعوى العظيمة التي يواجهه بها بعد عشر سنين!
ومن ثم بدا فرعون يذكره بماضيه. يذكره بتربيته له فهل هذا جزاء التربية والكرامة التي
لقيتها عندنا وانت وليد؟ لتاتي الان لتخالف ديانتنا، وتخرج على الملك الذي تربيت في
قصره، وتدعوا الى اله غيره؟!
ويذكره بحادث مقتل القبطي في تهويل وتجسيم. فلا يتحدث
عنها بصريح العبارة وانما يقول (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَك الَّتِي فَعَلْتَ) فعلتك البشعة
الشنيعة (وَانتَ مِنَ الْكافِرِينَ) برب العالمين الذي تقول به اليوم، فانت لم تكن
وقتها تتحدث عن رب العالمين! لم تتحدث بشيء عن هذه الدعوى التي تدعيها اليوم؛ ولم
تخطرنا بمقدمات هذا الامر العظيم؟!
وظن فرعون انه رد على موسى ردا لن يملك معه جوابا.
الا ان الله استجاب لدعاء موسى من قبل، فانطلق لسانه: (قَالَ فَعَلْتُهَا اذًا وَانَا
مِنَ الضَّالِّينَ) فعلت تلك الفعلة وانا بعد جأهل، اندفع اندفاع العصبية لقومي، لا
اندفاع العقيدة التي عرفتها اليوم بما اعطاني ربي من الحكة. (فَفَرَرْتُ مِنكمْ
لَمَّا خِفْتُكمْ) على نفسي. فقسم الله لي الخير فوهب لي الحكمة (وَجعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ).
ويكمل موسى خطابه لفرعون بنفس القوة: (وَتِلْك
نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَي انْ عَبدتَّ بنِي إسرائيل) فما كانت تربيتي في بيتك وليدا
الا من جراء استعبادك لبني إسرائيل، وقتل ابنائهم، مما دفع امي لوضعي في التابوت والقاءه
في اليم، فتلتقطه فاتربى في بيتك، لا في بيت ابوي. فهل هذا هو ما تمنه علي، وهل هذا
هو فضلك العظيم؟!
عند هذا الحد تدخل الفرعون في الحديث.. قَالَ
فِرْعَوْنُ وَمَا رَب الْعَالَمِينَ
قال موسى: رَب السَّمَاوَاتِ وَالْارْضِ وَمَا بينَهُمَا
ان كنتُم مُّوقِنِينَ
التفت فرعون لمن حوله وقال هازئا: الَا
تَسْتَمِعُونَ
قال موسى متجاوزا سخرية الفرعون: رَبكمْ وَرَب ابائِكمُ
الْاوَّلِينَ
قال فرعون مخاطبا من جاءوا مع موسى من بني إسرائيل:
انَّ رَسُولَكمُ الَّذِي ارْسِلَ الَيكمْ لَمَجنُونٌ
عاد موسى يتجاوز اتهام الفرعون وسخريته ويكمل: رَب
الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِب وَمَا بينَهُمَا ان كنتُمْ تَعْقِلُونَ
نلاحظ ان فرعون لم يكن يسال موسى عن رب العالمين او
رب موسى وهارون بقصد السؤال البريء والمعرفة. انما كان يهزا. ولقد اجابه موسى اجابة
جامعة مانعة محكمة (قَالَ رَبنَا الَّذِي اعْطَى كلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ
هَدَى). هو الخالق. خالق الاجناس جميعا والذوات جميعا. وهو هاديها بما ركب في
فطرتها وجبلتها من خواص تهديها لاسباب عيشها. وهو الموجه لها على اي حال. وهو القابض
على ناصيتها في كل حال. وهو العليم بها والشاهد عليها في جميع الاحوال.
لم تؤثر هذه العبارة الرائعة والموجزة في فرعون.
وها هو ذا يسال: (فَمَا بالُ الْقُرُونِ الْاولَى) لم تعبد ربك هذا؟
لم يزل فرعون ماضيا في استكباره واستهزائه. ويرد
موسى ردا يستلفته الى ان القرون الاولى التي لم تعبد الله، والتي عبدته معا، لن
تترك بغير مساءلة وجزاء. كل شيء معلوم عند الله تعالى. هذه القرون الاولى
(عِلْمُهَا عِندَ رَبي فِي كتَاب). احصى الله ما عملوه في كتاب. (لَّا يضِلُّ رَبي).
اي لا يغيب عنه شيء. (وَلَا ينسَى). اي لا يغيب عن شيء. ليطمئن الفرعون بالا من ناحية
القرون الاولى والاخيرة وما بينهما. ان الله يعرف كل شيء ويسجل عليها ما عملته ولا
يضيع شيئا من اجورهم.
ثم استلفت موسى نظر فرعون الى ايات الله في الكون.
ودار به مع حركة الرياح والمطر والنبات واوصله مرة ثانية الى الارض، وهناك افهمه ان
الله خلق الانسان من الارض، وسيعيده اليها بالموت، ويخرجه منها بالبعث، ان هناك بعثا
اذن. وسيقف كل انسان يوم القيامة امام الله تعالى. لا استثناء لاحد. سيقف كل عباد الله
وخلقه امامه يوم القيامة. بما في ذلك الفرعون. بهذا جاء موسى مبشرا ومنذرا.
لم يعجب فرعون هذا النذير، وتصاعد الحوار بينه وبين
موسى. فالطغيان لا يخشى شيئا كخشيته يقظة الشعوب، وصحوة القلوب؛ ولا يكره احدا كما
يكره الداعين الى الوعي واليقظة؛ ولا ينقم على احد كما ينقم على من يهزون الضمائر الغافية.
لذلك هاج فرعون على موسى وثار، وانهى الحوار معه بالتهديد الصريح. وهذا هو سلاح الطغاة
عندما يفتقرون للحج والبراهين والمنطق: (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ الَهًا غَيرِي لَاجعَلَنَّك
مِنَ الْمَسْجونِينَ).
الا ان موسى -عليه السلام- لم يفقد رباطة جاشه. كيف
يفقدها وهو رسول الله، والله معه ومع اخيه؟ وبدا الاقناع باسلوب جديد، وهو اظهار المعجزة
(قَالَ اوَلَوْ جئْتُك بشَيءٍ مُّبينٍ) فهو يتحدى فرعون، ويحرجه امام ملاه، فلو
رفض فرعون الاصغاء، سيظهر واضحا انه خائف من حجة موسى (قَالَ فَاتِ بهِ ان كنتَ
مِنَ الصَّادِقِينَ).
القى موسى عصاه في ردهة القصر العظيمة. لم تكد العصا
تلمس الارض حتى تحولت الى ثعبان هائل يتحرك بسرعة. ثم ادخل يده في جيبه واخرجها فاذا
هي بيضاء كالقمر
تحدي السحرة
تحدي السحرة :
وتبدا الجولة الثانية بين الحق والباطل. حيث شاور
فرعون الملا من حوله فيما يجب فعله. والملا لهم مصلحة في ان تبقى الامور على ما هي
عليه، فهم مقربون من فرعون، ولهم نفوذ وسلطان. فاشاروا ان يرد على سحر موسى بسحر
مثله، فيجمع السحرة لتحدي موسى واخاه.
حدد الميقات، وهو يوم الزينة. وبدات حركة اعداد الجماهير
وتحميسهم فدعوهم للتجمع وعدم التخلف عن الموعد، ليراقبوا فوز السحرة وغلبتهم على
موسى الإسرائيلي! والجماهير دائما تتجمع لمثل هذه الامور.
اما السحرة، فقد ذهبوا لفرعون ليطمئنون على الاجر
والمكافاة ان غلبوا موسى. فهم جماعة ماجورة، تبذل مهارتها مقابل الاجر الذي
تنتظره؛ ولا علاقة لها بعقيدة ولا صلة لها بقضية، ولا شيء سوى الاجر والمصلحة. وهم
هم الاء يستوثقون من الجزاء على تعبهم ولعبهم وبراعتهم في الخداع. وها هو ذا فرعون
يعدهم بما هو اكثر من الاجر. يعدهم ان يكونوا من المقربين اليه. وهو بزعمه الملك والاله!
وفي ساحة المواجهة. والناس مجتمعون، وفرعون ينظر.
حضر موسى واخاه هارون عليهما السلام، وحضر السحرة وفي ايديهم كل ما اتقنوه من العاب
وحيل، وكلهم ثقة بفوزهم في هذا التحدي. لذا بدءوا بتخيير موسى: (امَّا ان تُلْقِي
وَامَّا ان نَّكونَ اوَّلَ مَنْ الْقَى) وتتجلى ثقة موسى -عليه السلام- في الجانب الاخر
واستهانته بالتحدي (بلْ الْقُوا) فرمى السحرة عصيهم وحبالهم بعزة فرعون (فَالْقَوْا
حِبالَهُمْ وَعِصِيهُمْ وَقَالُوا بعِزَّةِ فِرْعَوْنَ انَّا لَنَحْنُ الْغَالِبونَ).
رمى السحرة بعصيهم وحبالهم فاذا المكان يمتلئ بالثعابين
فجاة (سَحَرُوا اعْينَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبوهُمْ وَجاءوا بسِحْرٍ عَظِيمٍ). وحسبنا
ان يقرر القران الكريم انه سحر عظيم (وَجاءوا بسِحْرٍ عَظِيمٍ)، لندرك اي سحر كان.
وحسبنا ان نعلم انهم (سَحَرُوا اعْينَ النَّاسِ) واثاروا الرهبة في قلوبهم (وَاسْتَرْهَبوهُمْ)
لنتصور اي سحر كان. فنظر موسى عليه السلام الى حبال السحرة وعصيهم وشعر بالخوف.
في هذه اللحظة، يذكره ربه بان معه القوة الكبرى.
فهو الاعلى. ومعه الحق، اما هم فمعهم الباطل. معه العقيدة ومعهم الحرفة. معه الايمان
بصدق الذي دفعه لما هو فيه ومعهم الاجر على المباراة ومغانم الحياة. موسى متصل بالقوة
الكبرى والسحرة يخدمون مخلوقا بشريا فانيا مهما يكن طاغية جبارا.
لا تخف (وَالْقِ مَا فِي يمِينِك) وستهزمهم، فهو
سحر من تدبير ساحر وعمله. والساحر لا يفلح انى ذهب وفي اي طريق سار، لانه يعتمد
على الخيال والايهام والخداع، ولا يعتمد على حقيقة ثابتة باقية.
اطمان موسى ورفع عصاه والقاها. لم تكد عصا موسى
تلامس الارض حتى وقعت المعجزة الكبرى. وضخامة المعجزة حولت مشاعر ووجدان السحرة، الذين
جاءوا للمباراة وهم احرص الناس على الفوز لنيل الاجر. الذي بلغت براعتهم لحد ان يشعر
موسى بالخوف من عملهم. تحولت مشاعرهم بحيث لم يسعفهم الكلام للتعبير: (فَالْقِي السَّحَرَةُ
سُجدا قَالُوا امَنَّا برَب هَارُونَ وَمُوسَى).
انه فعل الحق في الضمائر. ونور الحق في المشاعر،
ولمسة الحق في القلوب المهياة لتلقي الحق والنور واليقين. ان السحرة هم اعلم الناس
بحقيقة فنهم، ومدى ما يمكن ان يبلغ اليه. وهم اعرف الناس بالذي جاء به موسى. فهم اعلم
ان كان هذا من عمل بشر او ساحر، او انه من القدرة التي تفوق قدرة البشر والسحر. والعالم
في فنه هو اكثر الناس استعدادا للتسليم بالحقيقة حين تتكشف له، لانه اقرب ادراكا
لهذه الحقيقة، ممن لا يعرفون في هذا الفن الا القشور. ومن هنا تحول السحرة من التحدي
السافر الى التسليم المطلق، الذي يجددون برهانه في انفسهم عن يقين.
هزت هذه المفاجاة العرش من تحته. مفاجاة استسلام السحرة
-وهم من كهنة المعابد- لرب العالمين. رب موسى وهارون. بعد ان تم جمعهم لابطال دعوة
موسى وهارون لرب العالمين! ولان العرش والسلطان اهم شيء في حيات الطواغيت، فهم
مستعدون لارتكاب اي جريمة في سبيل المحافظة عليهما.
تسائل فرعون مستغربا (امَنتُم بهِ قَبلَ ان اذَنَ
لَكمْ) كانما كان عليهم ان يستاذنوه في ان يعودوا للحق. لكنه طاغية متكبر متجبر اعمى
السلطان عينيه عن الحق. ويزيد في طغيانه فيقول (انَّ هَـذَا لَمَكرٌ مَّكرْتُمُوهُ
فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجوا مِنْهَا أهلهَا) ان غلبته لكم في يومكم هذا انما كان
عن تشاور منكم ورضا منكم لذلك، وهو يعلم وكل من له عقل ان هذا الذي قاله من ابطل الباطل.
ويظل الطاغية يتهدد (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) ويتوعد (لاقَطِّعَنَّ ايدِيكمْ وَارْجلَكم
مِّنْ خِلافٍ ثُمَّ لاصَلِّبنَّكمْ اجمَعِينَ) لكن النفس البشرية حين تستيقن حقيقة
الايمان، تستعلي على قوة الارض، وتستهين بباس الطغاة، وتنتصر فيها العقيدة على الحياة,
وتختار الخلود الدائم على الحياة الفانية. (قَالُوا انَّا الَى رَبنَا مُنقَلِبونَ)
انه الايمان الذي لا يتزعزع ولا يخضع.
ويعلن السحرة حقيقة المعركة (وَمَا تَنقِمُ مِنَّا
الا انْ امَنَّا باياتِ رَبنَا لَمَّا جاءتْنَا) فلا يطلبون الصفح والعفو من
عدوّهم، انما يطلبون الثبات والصبر من ربهم (رَبنَا افْرِغْ عَلَينَا صَبرًا
وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِين). فيقف الطغيان عاجزا اما هذا الوعي وهذا الاطمئنان. عاجزا
عن رد هؤلاء المؤمنين لطريق الباطل من جديد. فينفذ تهديده، ويصلبهم على جذوع النخل.
التامر على موسى ومن امن معه :
وتبدا جولة جديدة بين الحق والباطل. فهاهم علية القوم
من المصريين، يتامرون ويحرضون فرعون ويهيجونه على موسى ومن امن معه، ويخوّفونه من
عاقبة التهاون معهم. وهم يرون الدعوة الى ربوبية الله وحدة افسادا في الارض. حيث يترتب
عليها بطلان شرعية حكم فرعون ونظامه كله. وقد كان فرعون يستمد قوته من ديانتهم الباطلة،
حيث كان فرعون ابن الالهة. فان عبد موسى ومن معه الله رب العالمين، لن تكون لفرعون
اي سطوة عليهم. فاستثارت هذه الكلمات فرعون، واشعرته بالخطر الحقيقي على نظامه كله
ففكر بوحشيته المعتادة وقرر (قَالَ سَنُقَتِّلُ أبناءهُمْ وَنَسْتَحْيـي نِسَاءهُمْ
وَانَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ).
لم يكن هذا التنكيل الوحشي جديدا على بني إسرائيل.
فقد نُفِّذ عليهم هذا الحكم في ابان مولد موسى عليه السلام. فبدا موسى -عليه السلام-
يوصي قومه باحتمال الفتنة، والصبر على البلية، والاستعانة بالله عليها. وان الارض
لله يورثها من يشاء من عباده. والعاقبة لمن يتقي الله ولا يخشى احدا سواه (قَالَ
مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بالله وَاصْبرُوا انَّ الارْضَ لِلّهِ يورِثُهَا
مَن يشَاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعَاقِبةُ لِلْمُتَّقِينَ).
الا ان قومه بدءوا يشتكون من العذاب الذي حل بهم
(قَالُوا اوذِينَا مِن قَبلِ ان تَاتِينَا وَمِن بعْدِ مَا جئْتَنَا) انها كلمات ذات
ظل! وانها لتشي بما وراءها من تبرم! اوذينا قبل مجيئك وما تغير شيء بمجيئك. وطال
هذا الاذى حتى ما تبدو له نهاية! فيمضي النبي الكريم على نهجه. يذكرهم بالله، ويعلق
رجاءهم به، ويلوح لهم بالامل في هلاك عدوهم. واستخلافهم في الارض. مع التحذير من
فتنة الاستخلاف، فاستخلاف الله لهم انما هو ابتلاء لهم، فهو استخلاف للامتحان: (قَالَ
عَسَى رَبكمْ ان يهْلِك عَدُوَّكمْ وَيسْتَخْلِفَكمْ فِي الارْضِ فَينظُرَ كيفَ
تَعْمَلُونَ).
وينقلنا القران الكريم الى فصل اخر من قصة موسى
عليه السلام. ومشهد اخر من مشاهد المواجهة بين الحق والباطل. حيث يحكي لما قصة تشاور
فرعون مع الملا في قتل موسى. (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي اقْتُلْ مُوسَى وَلْيدْعُ
رَبهُ انِّي اخَافُ ان يبدِّلَ دِينَكمْ اوْ ان يظْهِرَ فِي الْارْضِ الْفَسَادَ) اما
موسى عليه السلام فالتجا الى الركن الركين، والحصن الحصين، ولاذ بحامي اللائذين،
ومجير المستجيرين (وَقَالَ مُوسَى انِّي عُذْتُ برَبي وَرَبكم مِّن كلِّ مُتَكبرٍ
لَّا يؤْمِنُ بيوْمِ الْحِسَاب).
موقف الرجل المؤمن من ال فرعون
موقف الرجل المؤمن من ال فرعون :
كادت فكرة فرعون ان تحصل على التصديق لولا رجل من
ال فرعون. رجل من رجال الدولة الكبار، لا يذكر القران اسمه، لان اسمه لا يهم، لم يذكر
صفته ايضا لان صفته لا تعني شيئا، انما ذكر القران انه رجل مؤمن. ذكره بالصفة التي
لا قيمة لاي صفة بعدها.
تحدث هذا الرجل المؤمن، وكان (يكتُمُ ايمَانَهُ)،
تحدث في الاجتماع الذي طرحت فيه فكرة قتل موسى واثبت عقم الفكرة وسطحيتها. قال ان
موسى لم يقل اكثر من ان الله ربه، وجاء بعد ذلك بالادلة الواضحة على كونه رسولا،
وهناك احتمالان لا ثالث لهما: ان يكون موسى كاذبا، او يكون صادقا، فاذا كان كاذبا
(فَعَلَيهِ كذِبهُ)، وهو لم يقل ولم يفعل ما يستوجب قتله. واذا كان صادقا وقتلناه،
فما هو الضمان من نجاتنا من العذاب الذي يعدنا به؟
تحدث المؤمن الذي يكتم ايمانه فقال لقومه: اننا اليوم
في مراكز الحكم والقوة. من ينصرنا من باس الله اذا جاء؟ ومن ينقذنا من عقوبته اذا
حلت؟ ان اسرافنا وكذبنا قد يضيعاننا.
وبدت كلماته مقنعة. انه رجل ليس متهما في ولائه
لفرعون. وهو ليس من اتباع موسى. والمفروض انه يتكلم بدافع الحرص على عرش الفرعون.
ولا شيء يسقط العروش كالكذب والاسراف وقتل الابرياء.
ومن هذا الموضع استمدت كلمات الرجل المؤمن قوتها.
بالنسبة الى فرعون ووزرائه ورجاله. ورغم ان فرعون وجد فكرته في قتل موسى، صريعة
على المائدة. رغم تخويف الرجل المؤمن لفرعون. رغم ذلك قال الفرعون كلمته التاريخية
التي ذهبت مثلا بعده لكل الطغاة: (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا ارِيكمْ
الَّا مَا ارَى وَمَا اهْدِيكمْ الَّا سَبيلَ الرَّشَادِ).
هذه كلمة الطغاة دائما حين يواجهون شعوبهم (مَا ارِيكمْ
الَّا مَا ارَى). هذا راينا الخاص، وهو راي يهديكم سبيل الرشاد. وكل راي غيره خاطئ.
وينبغي الوقوف ضده واستئصاله.
لم تتوقف المناقشة عند هذا الحد. قال فرعون كلمته
ولكنه لم يقنع بها الرجل المؤمن. وعاد الرجل المؤمن يتحدث واحضر لهم ادلة من التاريخ،
ادلة كافية على صدق موسى. وحذّرهمخ من المساس به. لقد سبقتهم امم كفرت برسلها، فأهلكها
الله: قوم نوح، قوم عاد، قوم ثمود.
ثم ذكرهم بتاريخ مصر نفسه. ذكرهم بيوسف عليه السلام
حين جاء بالبينات، فشك فيه الناس ثم امنوا به بعد ان كادت النجاة تفلت منهم، ما الغرابة
في ارسال الله للرسل؟ ان التاريخ القديم ينبغي ان يكون موضع نظر. لقد انتصرت القلة
المؤمنة حين اصبحت مؤمنة على الكثرة الكافرة. وسحق الله تعالى الكافرين. اغرقهم بالطوفان،
وصعقهم بالصرخة. او خسف بهم الارض. ماذا ننتظر اذن؟ ومن اين نعلم ان وقوفنا وراء الفرعون
لن يضيعنا ويهلكنا جميعا؟
كان حديث الرجل المؤمن ينطوي على عديد من التحذيرات
المخيفة. ويبدو انه اقنع الحاضرين بان فكرة قتل موسى فكرة غير مامونة العواقب. وبالتالي
فلا داعي لها.
الا ان الطاغية فرعون حاول مرة اخرى المحاورة والتمويه،
كي لا يواجه الحق جهرة، ولا يعترف بدعوة الوحدانية التي تهز عرشه. وبعيد عن احتمال
ان يكون هذا فهم فرعون وادراكه. فطلب ان يبنى له بناء عظيم، يصعد عليه ليرى اله
موسى الذي يدعيه. وبعيدا ان يكون جادا في البحث عن اله موسى على هذا النحو المادي الساذج.
وقد بلغ فراعنة مصر من الثقافة حدا يبعد معه هذا التصور. وانما هو الاستهتار والسخرية
من جهة. والتظاهر بالانصاف والتثبت من جهة اخرى.
بعد هذا الاستهتار، وهذا الاصرار، القى الرجل المؤمن
كلمته الاخيرة مدوية صريحة:
وَقَالَ الَّذِي امَنَ يا قَوْمِ اتَّبعُونِ اهْدِكمْ
سَبيلَ الرَّشَادِ (38) يا قَوْمِ انَّمَا هَذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتَاعٌ وَانَّ
الْاخِرَةَ هِي دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيئَةً فَلَا يجزَى الَّا
مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكرٍ اوْ انثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَاوْلَئِك
يدْخُلُونَ الْجنَّةَ يرْزَقُونَ فِيهَا بغَيرِ حِسَاب (40) وَيا قَوْمِ مَا لِي ادْعُوكمْ
الَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي الَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِاكفُرَ بالله وَاشْرِك
بهِ مَا لَيسَ لِي بهِ عِلْمٌ وَانَا ادْعُوكمْ الَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42)
لَا جرَمَ انَّمَا تَدْعُونَنِي الَيهِ لَيسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلَا
فِي الْاخِرَةِ وَانَّ مَرَدَّنَا الَى الله وَانَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ اصْحَاب النَّارِ
(43) فَسَتَذْكرُونَ مَا اقُولُ لَكمْ وَافَوِّضُ امْرِي الَى الله انَّ الله بصِيرٌ
بالْعِبادِ (44) (غافر)
انهى الرجل المؤمن حديثه بهذه الكلمات الشجاعة. بعدها
انصرف. انصرف فتحول الجالسون من موسى اليه. بدءوا يمكرون للرجل المؤمن. بدءوا يتحدثون
عما صدر منه. فتدخلت عناية الله تعالى (فَوَقَاهُ الله سَيئَاتِ مَا مَكرُوا وَحَاقَ
بالِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَاب) وانجته من فرعون وجنوده.
ابتلاء الله أهل مصر :
اما حال مصر في تلك الفترة. فلقد مضى فرعون في
تهديده، فقتل الرجال واستحيا النساء. وظل موسى وقومه يحتملون العذاب، ويرجون فرج الله،
ويصبرون على الابتلاء. وظل فرعون في ظلاله وتحدّيه. فتدخلت قوة الله سبحانه وتعالى،
وشاء الله تعالى ان يشدد على ال فرعون. ابتلاء لهم وتخويفا، ولكي يصرفهم عن الكيد
لموسى ومن امن معه، واثباتا لنبوة موسى وصدقه في الوقت نفسه. وهكذا سلط على المصريين
اعوام الجدب. اجدبت الارض وشح النيل ونقصت الثمار وجاع الناس، واشتد القحط. لكن ال
فرعون لم يدركوا العلاقة بين كفرهم وفسقهم وبين بغيهم وظلمهم لعباد الله. فاخذوا يعللون
الاسباب. فعندما تصيبهم حسنة، يقولون انها من حسن حظهم وانهم يستحقونها. وان اصابتهم
سيئة قالوا هي من شؤم موسى ومن معه عليهم، وانها من تحت راسهم!
واخذتهم العزة بالاثم فاعتقدوا ان سحر موسى هو المسئول
عما اصابهم من قحط. وصور لهم حمقهم ان هذا الجدب الذي اصاب ارضهم، اية جاء بها
موسى ليسحرهم بها، وهي اية لن يؤمنوا بها مهما حدث.
فشدد الله عليهم لعلهم يرجعون الى الله، ويطلقون بني
إسرائيل ويرسلونهم معه. فارسل عليهم الطوفان، والجراد، والقمل -وهو السوس- والضفادع،
والدم. ولا يذكر القران ان كانت جملة واحدة، ام واحدة تلو الأخرى. وتذكر بعض الروايات
انها جاءت متتالية وحدة تلو الأخرى. الا ان المهم هو طلب ال فرعون من موسى ان يدعو
لهم ربه لينقذهم من هذا البلاء. وبعدونه في كل مرة ان يرسلوا بني إسرائيل اذا انجاهم
ورفع عنهم هذا البلاء (قَالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبك بمَا عَهِدَ عِندَك
لَئِن كشَفْتَ عَنَّا الرِّجزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَك وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَك بنِي إسرائيل).
فكان موسى -عليه السلام- يدعو الله بان يكشف عنهم
العذاب. وما ان ينكشف البلاء حتى ينقضون عهدهم، ويعودون الى ما كانوا فيه (فَلَمَّا
كشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجزَ الَى اجلٍ هُم بالِغُوهُ اذَا هُمْ ينكثُونَ).
لم يهتد المصريون، ولم يوفوا بعهودهم، بل على العكس
من ذلك. خرج فرعون لقومه، واعلن انه اله. اليس له ملك مصر، وهذه الانهار تجري من
تحته، اعلن ان موسى ساحر كذاب. ورجل فقير لا يرتدي اسورة واحدة من الذهب.
ويعبر القران الكريم عن امر فرعون وقومه: (فَاسْتَخَفَّ
قَوْمَهُ فَاطَاعُوهُ). استخف بعقولهم. واستخف بحريتهم. واستخف بمستقبلهم. واستخف بادميتهم.
فاطاعوه. اليست هذه طاعة غريبة. تنمحي الغرابة حين نعلم انهم كانوا قوما فاسقين. ان
الفسق يصرف الانسان عن الالتفات لمستقبله ومصالحه واموره، ويورده الهلاك. وذلك ما
وقع لقوم فرعون.
خروج بني إسرائيل من مصر :
بدا واضحا ان فرعون لن يؤمن لموسى. ولن يكف عن
تعذيبه لبني إسرائيل، ولن يكف عن استخفافه بقومه. هنالك دعا موسى وهارون على فرعون.
وَقَالَ مُوسَى رَبنَا انَّك اتَيتَ فِرْعَوْنَ
وَمَلاهُ زِينَةً وَامْوَالا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبنَا لِيضِلُّوا عَن سَبيلِك
رَبنَا اطْمِسْ عَلَى امْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبهِمْ فَلا يؤْمِنُوا
حَتَّى يرَوُا الْعَذَاب الالِيمَ (88) قَالَ قَدْ اجيبت دَّعْوَتُكمَا فَاسْتَقِيمَا
وَلا تَتَّبعَانِّ سَبيلَ الَّذِينَ لا يعْلَمُونَ (89) (يونس)
لم يكن قد امن مع موسى فريق من قومه. فانتهى الامر،
واوحي الى موسى ان يخرج من مصر مع بني إسرائيل. وان يكور رحيلهم ليلا، بعد تدبير
وتنظيم لامر الرحيل. ونباه ان فرعون سيتبعهم بجنده؛ وأمره ان يقوم قومه الى ساحل البحر
(وهو في الغالب عند التقاء خليج السويس بمطقة البحيرات).
وبلغت الاخبار فرعون ان موسى قد صحب قومه وخرج. فارسل
اوأمره في مدن المملكة لحشد جيش عظيم. ليدرك موسى وقومه، ويفسد عليهم تدبيرهم. اعلن
فرعون التعبئة العامة. وهذا من شانه ان يشكل صورة في الاذهان، ان موسى وقومه يشكلون
خطرا فعلى فرعون وملكه، فيكف يكون الها من يخشى فئة صغيرا يعبدون اله اخر؟! لذلك كان
لا بد من تهوين الامر وذلك بتقليل شان قوم موسى وحجمهم (انَّ هَؤُلَاء
لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ) لكننا نطاردهم لانهم اغاظونا، وعلى اي حال، فنحن حذرون
مستعدون ممسكون بزمام الامور.
وقف موسى امام البحر. وبدا جيش الفرعون يقترب،
وظهرت اعلامه. وامتلا قوم موسى بالرعب. كان الموقف حرجا وخطيرا. ان البحر امامهم والعدو
ورائهم وليس معهم سفن او ادوات لعبور البحر، كما ليست امامهم فرصة واحدة للقتال. انهم
مجموعة من النساء والاطفال والرجال غير المسلحين. سيذبحهم فرعون عن اخرهم.
صرخت بعض الاصوات من قوم موسى: سيدركنا فرعون.
قال موسى: (كلَّا انَّ مَعِي رَبي سَيهْدِينِ).
لم يكن يدري موسى كيف ستكون النجاة، لكن قلبه كان
ممتلئا بالثقة بربه، واليقين بعونه، والتاكد من النجاة، فالله هو اللي يوجهه ويرعاه.
وفي اللحظة الاخيرة، يجيء الوحي من الله (فَاوْحَينَا الَى مُوسَى انِ اضْرِب بعَصَاك
الْبحْرَ) فضربه، فوقعت المعجزة (فَانفَلَقَ فَكانَ كلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ الْعَظِيمِ)
وتحققه المستحيل في منطق الناس، لكن الله ان اراد شيئا قال له كن فيكون.
ووصل فرعون الى البحر. شاهد هذه المعجزة. شاهد في
البحر طريقا يابسا يشقه نصفين. فامر جيشه بالتقدم. وحين انتهى موسى من عبور البحر.
واوحى الله الى موسى ان يترك البحر على حاله (وَاتْرُك الْبحْرَ رَهْوًا انَّهُمْ جندٌ
مُّغْرَقُونَ). وكان الله تعالى قد شاء اغراق الفرعون. فما ان صار فرعون وجنوده في
منتصف البحر، حتى اصدر الله أمره، فانطبقت الامواج على فرعون وجيشه. وغرق فرعون وجيشه.
غرق العناد ونجا الايمان بالله.
ولما عاين فرعون الغرق، ولم يعد يملك النجاة (قَالَ
امَنتُ انَّهُ لا الِـهَ الا الَّذِي امَنَتْ بهِ بنُو إسرائيل وَانَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)
سقطت عنه كل الاقنعة الزائفة، وتضائل، فلم يكتفي بان يعلن ايمانه، بل والاستسلام ايضا
(وَانَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) لكن بلا فائدة، فليس الان وقت اختيار، بعد ان سبق العصيان
والاستكبار (الانَ وَقَدْ عَصَيتَ قَبلُ وَكنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ).
انتهى وقت التوبة المحدد لك وهلكت. انتهى الامر
ولا نجاة لك. سينجو جسدك وحده. لن تاكله الاسماك، ولين يحمله التيار بعيدا عن الناس،
بل سينجو جسدك لتكون اية لمن خلفك.
فَالْيوْمَ نُنَجيك ببدَنِك لِتَكونَ لِمَنْ
خَلْفَك ايةً وَانَّ كثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ اياتِنَا لَغَافِلُونَ (92) (يونس)
اسدل الستار على طغيان الفرعون. ولفظت الامواج جثته
الى الشاطئ. بعد ذلك. نزل الستار تماما عن المصريين. لقد خرجوا يتبعون خطا موسى
وقومه ويقفون اثرهم. فكان خروجهم هذا هو الاخير. وكان اخراجا لهم من كل ما هم فيه
من جنات وعيون وكنوز؛ فلم يعودوا بعدها لهذا النعيم! لا يحدثنا القران الكريم عما
فعله من بقى من المصررين في مصر بعد سقوط نظام الفرعون وغرقه مع جيشه. لا يحدثنا
عن ردود فعلهم بعد ان دمر الله ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يشيدون. يسكت السياق
القراني عنهم. ويستبعدهم تماما من التاريخ والاحداث.
الجزء الثالث: نفسية بنى إسرائيل الذليلة
لقد مات فرعون مصر. غرق امام عيون المصريين وبني إسرائيل.
ورغم موته، فقد ظل اثره باقيا في نفوس المصريين وبني إسرائيل. من الصعب على سنوات القهر
الطويلة والذل المكثف ان تمر على نفوس الناس مر الكرام. لقد عوّد فرعون بني إسرائيل
الذل لغير الله. هزم ارواحهم وافسد فطرتهم فعذبوا موسى عذابا شديدا بالعناد والجهل.
كانت معجزة شق البحر لم تزل طرية في اذهانهم، حين
مروا على قوم يعبدون الاصنام. وبدلا من ان يظهروا استيائهم لهذا الظلم للعقل، ويحمدوا
الله ان هداهم للايمان. بدلا من ذلك التفتوا الى موسى وطلبوا منه ان يجعل لهم الها
يعبدونه مثل هؤلاء الناس. ادركتهم الغيرة لمراى الاصنام، ورغبوا في مثلها، وعاودهم
الحنين لايام الشرك القديمة التي عاشوها في ظل فرعون. واستلفتهم موسى الى جهلهم هذا،
وبين لهم ان عمل هؤلاء باطل، وان الله فضل بني إسرائيل على العالمين فكيف يجحد هذا
التفضيل ويجعل لهم صنما يعبدونه من دون الله. ثم ذكرهم بفرعون وعذابه لهم، وكيف ان
الله نجاهم منه، فكيف بعد ذلك يشركون بالله مالا يضر ولا ينفع.
موعد موسى لملاقاة ربه :
انتهت المرحلة الاولى من مهمة موسى عليه السلام،
وهي تخليص بني إسرائيل من حياة الذل والتعذيب على يد فرعون وجنده. والسير بهم الى الديار
المقدسة. لكن القوم لم يكونوا على استعداد للمهمة الكبرى، مهمة الخلافة في الارض بدين
الله. وكان الاختبار الاول اكبر دليل على ذلك. فما ان راوا قوما يعبدون صنما، حتى اهتزت
عقيدة التوحيد في نفوسهم، وطلبوا من موسى ان يجعل لهم وثنا يعبدوه. فكان لا بد من
رسالة مفصلة لتربية هذه الامة واعدادها لما هم مقبلون عليه. من اجل هذه الرسالة كانت
مواعدة الله لعبده موسى ليلقاه. وكانت هذه المواعدة اعداد لنفس موسى ليتهيا للموقف
الهائل العظيم. فاستخلف في قومه اخاه هارون عليه السلام.
كانت فترة الاعداد ثلاثين ليلة، اضيف اليها عشر،
فبلغت عدتها اربعين ليلة. يروض موسى فيها نفسه على اللقاء الموعود؛ وينعزل فيها عن
شواغل الارض؛ فتصفو روحه وتتقوى عزيمته. ويذكر ابن كثير في تفسيره عن امر هذه الليالي:
"فذكر تعالى انه واعد موسى ثلاثين ليلة؛ قال المفسرون: فصامها موسى -عليه السلام-
وطواها، فلما تم الميقات استاك بلحاء شجرة، فأمره الله تعالى ان يكمل العشرة اربعين".
كان موسى بصومه -اربعين ليلة- يقترب من ربه اكثر.
وكان موسى بتكليم الله له يزداد حبا في ربه اكثر. فطلب موسى ان يرى الله. ونحن لا
نعرف اي مشاعر كانت تجيش في قلب موسى عليه الصلاة والسلام حين سال ربه الرؤية. احيانا
كثيرة يدفع الحب البشري الناس الى طلب المستحيل. فما بالك بالحب الالهي، وهو اصل الحب؟
ان عمق احساس موسى بربه، وحبه لخالقه، واندفاعه الذي لم يزل يميز شخصيته. دفعه هذا
كله الى ان يسال الله الرؤية.
وجاءه رد الحق عز وجل: قَالَ لَن تَرَانِي
ولو ان الله تبارك وتعالى قالها ولم يزد عليها شيئا،
لكان هذا عدلا منه سبحانه، غير ان الموقف هنا موقف حب الهي من جانب موسى. موقف اندفاع
يبرره الحب ولهذا ادركت رحمة الله تعالى موسى. افهمه انه لن يراه، لان احدا من الخلق
لا يصمد لنور الله. أمره ان ينظر الى الجبل، فان استقر مكانه فسوف يراه.
قال تعالى: (وَلَـكنِ انظُرْ الَى الْجبلِ فَانِ اسْتَقَرَّ
مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجلَّى رَبهُ لِلْجبلِ جعَلَهُ دَكا وَخَرَّ
موسَى صَعِقًا)
لا يصمد لنور الله احد. فدك الجبل، وصار مسوّى في
الارض. وسقط موسى مغشيا عليه غائبا عن وعيه. فلما افاق قال سبحانك تنزهت وتعاليت
عن ان ترى بالابصار وتدرك. وتبت اليك عن تجاوزني للمدى في سؤالك! وانا اول المؤمنين
بك وبعظمتك.
ثم تتداركه رحمة ربه من جديد. فيتلقى موسى -عليه السلام-
البشرى. بشرى الاصطفاء. مع التوجيه له بالرسالة الى قومه بعد الخلاص. قال تعالى:
(قَالَ يا مُوسَى انِّي اصْطَفَيتُك عَلَى النَّاسِ برِسَالاتِي وَبكلامِي فَخُذْ
مَا اتَيتُك وَكن مِّنَ الشَّاكرِينَ)
وقف كثير من المفسرين امام قوله تعالى لموسى: (انِّي
اصْطَفَيتُك عَلَى النَّاسِ برِسَالاتِي وَبكلامِي). واجريت مقارنات بينه وبين غيره
من الانبياء. فقيل ان هذا الاصطفاء كان خاصا بعصره وحده، ولا ينسحب على العصر الذي
سبقه لوجود ابراهيم فيه، وابراهيم خير من موسى، ايضا لا ينطبق هذا الاصطفاء على العصر
الذي ياتي بعده، لوجود محمد بن عبد الله فيه، وهو افضل منهما.
ونحب ان نبتعد عن هذا الجدال كله. لا لاننا نعتقد
ان كل الانبياء سواء. اذا ان الله سبحانه وتعالى يحدثنا انه فضل بعض النبيين على بعض،
ورفع درجات بعضهم على البعض. غير ان هذا التفضيل ينبغي ان يكون منطقة محرمة علينا،
ولنقف نحن في موقع الايمان بجميع الانبياء لا نتعداه. ولنؤد نحوهم فروض الاحترام
على حد سواء. لا ينبغي ان يخوض الخاطئون في درجات المعصومين المختارين من الله. ليس
من الادب ان نفاضل نحن بين الانبياء. الاولى ان نؤمن بهم جميعا.
ثم يبين الله تعالى مضمون الرسالة (وَكتَبنَا
لَهُ فِي الالْوَاحِ مِن كلِّ شَيءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلا لِّكلِّ شَيءٍ
فَخُذْهَا بقُوَّةٍ وَامُرْ قَوْمَك ياخُذُوا باحْسَنِهَا سَارِيكمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ)
ففيها كل شيء يختص بموضوع الرسالة وغايتها من بيان الله وشريعته والتوجيهات المطلوبة
لاصلاح حال هذه الامة وطبيعتها التي افسدها الذل وطول الامد!
عبادة العجل :
انتهى ميقات موسى مع ربه تعالى. وعاد غضبان اسفا الى
قومه. فلقد اخبره الله ان قموه قد ضلّوا من بعده. وان رجلا من بني إسرائيل يدعى السّامري
هو من اضلّهم. انحدر موسى من قمة الجبل وهو يحمل الواح التوراة، قلبه يغلي بالغضب
والاسف. نستطيع ان نتخيل انفعال موسى وثورته وهو يحث خطاه نحو قومه.
لم يكد موسى يغادر قومه الى ميقات ربه. حتى وقعت
فتنة السامري. وتفصيل هذه الفتنة ان بني إسرائيل حين خرجوا من مصر، صحبوا معهم كثيرا
من حلي المصريين وذهبهم، حيث كانت نساء بني إسرائيل قد استعرنه للتزين به، وعندما امروا
بالخروج حملوه معهم. ثم قذفوها لانها حرام. فاخذها السامري، وصنع منها تمثالا لعجل.
وكان السامري فيما يبدو نحاتا محترفا او صائغا سابقا، فصنع العجل مجوفا من الداخل،
ووضعه في اتجاه الريح، بحيث يدخل الهواء من فتحته الخلفية ويخرج من انفه فيحدث صوتا
يشبه خوار العجول الحقيقية.
ويقال ان سر هذا الخوار، ان السامري كان قد اخذ قبضة
من تراب سار عليه جبريل -عليه السلام- حين نزل الى الارض في معجزة شق البحر. اي ان
السامري ابصر بما لم يبصروا به، فقبض قبضة من اثر الرسول -جبريل عليه السلام-
فوضعها مع الذهب وهو يصنع منه العجل. وكان جبريل لا يسير على شيء الا دبت فيه الحياة.
فلما اضاف السامري التراب الى الذهب، ثم صنع منه العجل، خار العجل كالعجول الحقيقية.
وهذه هي القصة التي قالها السامري لموسى عليه السلام.
بعد ذلك، خرج السامري على بني إسرائيل بما صنعه..
سالوه: ما هذا يا سامري؟
قال: هذا الهكم واله موسى!
قالوا: لكن موسى ذهب لميقات الهه.
قال السامري: لقد نسي موسى. ذهب للقاء ربه هناك، بينما
ربه هنا.
وهبت موجة من الرياح فدخلت من دبر العجل الذهب
وخرجت من فمه فخار العجل. وعبد بنو إسرائيل هذا العجل. لعل دهشة القارئ تثور لهذه الفتنة.
كيف يمكن الاستخفاف بعقول القوم لهذه الدرجة؟! لقد وقعت لهم معجزات هائلة. فكيف ينقلبون
الى عبادة الاصنام في لحظة؟ تزول هذه الدهشة لو نظرنا في نفسية القوم الذين عبدوا العجل.
لقد تربوا في مصر، ايام كانت مصر تعبد الاصنام وتقدس فيما تقدس العجل ابيس، وتربوا
على الذل والعبودية، فتغيرت نفوسهم، والتوت فطرتهم، ومرت عليهم معجزات الله فصادفت
نفوسا تالفة الامل. لم يعد هناك ما يمكن ان يصنعه لهم احد. ان كلمات الله لم تعدهم
الى الحق، كما ان المعجزات الحسية لم تقنعهم بصدق الكلمات، ظلوا داخل اعماقهم من عبدة
الاوثان. كانوا وثنيين مثل سادتهم المصريين القدماء. ولهذا السبب انقلبوا الى عبادة
العجل.
وفوجئ هارون عليه الصلاة والسلام يوما بان بني إسرائيل
يعبدون عجلا من الذهب. انقسموا الى قسمين: الاقلية المؤمنة ادركت ان هذا هراء. والاغلبية
الكافرة طاوعت حنينها لعبادة الاوثان. ووقف هارون وسط قومه وراح يعظهم. قال لهم: انكم
فتنتم به، هذه فتنة، استغل السامري جهلكم وفتنكم بعجله. ليس هذا ربكم ولا رب موسى
(وَانَّ رَبكمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبعُونِي وَاطِيعُوا امْرِي).
ورفض عبدة العجل موعظة هارون. لكن هارون -عليه السلام-
عاد يعظهم ويذكرهم بمعجزات الله التي انقذهم بها، وتكريمه ورعايته لهم، فاصموا اذانهم
ورفضوا كلماته، واستضعفوه وكادوا يقتلونه، وانهوا مناقشة الموضوع بتاجيله حتى عودة
موسى. كان واضحا ان هارون اكثر لينا من موسى، لم يكن يهابه القوم للينه وشفقته.
وخشي هارون ان يلجا الى القوة ويحطم لهم صنمهم الذي يعبدونه فتثور فتنة بين القوم.
فاثر هارون تاجيل الموضوع الى ان يحضر موسى.
كان يعرف ان موسى بشخصيته القوية، يستطيع ان يضع
حدا لهذه الفتنة. واستمر القوم يرقصون حول العجل.
انحدر موسى عائدا لقومه فسمع صياح القوم وجلبتهم
وهم يرقصون حول العجل. توقف القوم حين ظهر موسى وساد صمت. صرخ موسى يقول: (بئْسَمَا
خَلَفْتُمُونِي مِن بعْدِي).
اتجه موسى نحو هارون والقى الواح التوراة من يده
على الارض. كان اعصار الغضب داخل موسى يتحكم فيه تماما. مد موسى يديه وامسك هارون
من شعر راسه وشعر لحيته وشده نحوه وهو يرتعش. قال موسى:
يا هَارُونُ مَا مَنَعَك اذْ رَايتَهُمْ ضَلُّوا
(92) الَّا تَتَّبعَنِ افَعَصَيتَ امْرِي (93) (طه)
ان موسى يتساءل هل عصى هارون أمره. كيف سكت على
هذه الفتنة؟ كيف طاوعهم على البقاء معهم ولم يخرج ويتركهم ويتبرا منهم؟ كيف سكت عن
مقاومتهم اصلا؟ ان الساكت عن الخطا مشترك فيه بشكل ما. زاد الصمت عمقا بعد جملة
موسى الغاضبة. وتحدث هارون الى موسى. رجا منه ان يترك راسه ولحيته. بحق انتمائهما
لام واحدة. وهو يذكره بالام ولا يذكره بالاب ليكون ذلك ادعى لاستثارة مشاعر الحنو
في نفسه.
افهمه ان الامر ليس فيه عصيان له. وليس فيه رضا بموقف
عبدة العجل. انما خشي ان يتركهم ويمضي، فيساله موسى كيف لم يبق فيهم وقد تركه موسى
مسؤولا عنهم، وخشي لو قاومهم بعنف ان يثير بينهم قتالا فيساله موسى كيف فرق بينهم
ولم ينتظر عودته.
افهم هارون اخاه موسى برفق ولين ان القوم استضعفوه،
وكادوا يقتلونه حين قاومهم. رجا منه ان يترك راسه ولحيته حتى لا يشمت به الاعداء،
ويستخف به القوم زيادة على استخفافهم به. افهمه انه ليس ظالما مثلهم عندما سكت عن
ظلمهم.
ادرك موسى انه ظلم هارون في غضبه الذي اشعلته غيرته
على الله تعالى وحرصه على الحق. ادرك ان هارون تصرف افضل تصرف ممكن في هذه الظروف.
ترك راسه ولحيته واستغفر الله له ولاخيه. التفت موسى لقومه وتساءل بصوت لم يزل يضطرب
غضبا: (يا قَوْمِ الَمْ يعِدْكمْ رَبكمْ وَعْدًا حَسَنًا افَطَالَ عَلَيكمُ الْعَهْدُ
امْ ارَدتُّمْ ان يحِلَّ عَلَيكمْ غَضَب مِّن رَّبكمْ فَاخْلَفْتُم مَّوْعِدِي).
انه يعنفهم ويوبخهم ويلفتهم باشارة سريعة الى غباء
ما عملوه. عاد موسى يقول غاضبا اشد الغضب: (انَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجلَ سَينَالُهُمْ
غَضَب مِّن رَّبهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكذَلِك نَجزِي الْمُفْتَرِينَ).
لم تكد الجبال تبتلع اصداء الصوت الغاضب حتى نكس القوم
رءوسهم وادركوا خطاهم. كان افتراؤهم واضحا على الحق الذي جاء به موسى. ابعد كل ما
فعله الله تعالى لهم، ينكفئون على عبادة الاصنام؟! ايغيب موسى اربعين يوما ثم يعود
ليجدهم يعبدون عجلا من الذهب. اهذا تصرف قوم، عهد الله اليهم بامانة التوحيد في الارض؟
التفت موسى الى السامري بعد حديثه القصير مع هارون.
لقد اثبت له هارون براءته كمسئول عن قومه في غيبته، كما سكت القوم ونكسوا رءوسهم امام
ثورة موسى، لم يبق الا المسئول الاول عن الفتنة. لم يبق الا السامري.
تحدث موسى الى السامري وغضبه لم يهدا بعد: قَالَ
فَمَا خَطْبك يا سَامِرِي
انه يساله عن قصته، ويريد ان يعرف منه ما الذي
حمله على ما صنع. قال السامري: بصُرْتُ بمَا لَمْ يبصُرُوا بهِ
رايت جبريل وهو يركب فرسه فلا تضع قدمها على شيء الا
دبت فيه الحياة. فَقَبضْتُ قَبضَةً مِّنْ اثَرِ الرَّسُولِ
اخذت حفنة من التراب الذي سار عليه جبريل والقيتها
على الذهب. فَنَبذْتُهَا وَكذَلِك سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي
هذا ما ساقتني نفسي اليه.
لم يناقش موسى، عليه السلام السامري في ادعائه. انما
قذف في وجهه حكم الحق. ليس المهم ان يكون السامري قد راى جبريل، عليه السلام، فقبض
قبضة من اثره. ليس المهم ان يكون خوار العجل بسبب هذا التراب الذي سار عليه فرس جبريل،
او يكون الخوار بسبب ثقب اصطنعه السامري ليخور العجل. المهم في الامر كله جريمة السامري،
وفتنته لقوم موسى، واستغلاله اعجاب القوم الدفين بسادتهم المصريين، وتقليدهم لهم في
عبادة الاوثان. هذه هي الجريمة التي حكم فيها موسى عليه السلام: (قَالَ فَاذْهَب
فَانَّ لَك فِي الْحَياةِ ان تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَانَّ لَك مَوْعِدًا لَّنْ
تُخْلَفَهُ وَانظُرْ الَى الَهِك الَّذِي ظَلْتَ عَلَيهِ عَاكفًا
لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيمِّ نَسْفًا).
حكم موسى على السامري بالوحدة في الدنيا. يقول بعض
المفسرين: ان موسى دعا على السامري بان لا يمس احدا، معاقبة له على مسه ما لم يكن ينبغي
له مسه.
ونعتقد ان الامر اخطر كثيرا من هذه النظرة السريعة.
ان السامري اراد بفتنته ضلال بني إسرائيل وجمعهم حول عجله الوثني والسيادة عليهم،
وقد جاءت عقوبته مساوية لجرمه، لقد حكم عليه بالنبذ والوحدة. هل مرض السامري مرضا جلديا
بشعا صار الناس يانفون من لمسه او مجرد الاقتراب منه؟ هل جاءه النبذ من خارج جسده؟
لا نعرف ماذا كان من امر الاسلوب الذي تمت به وحدة السامري ونبذ المجتمع له. كل ما
نعرفه ان موسى اوقع عليه عقوبة رهيبة، كان اهون منها القتل، فقد عاش السامري منبوذا
محتقرا لا يلمس شيئا ولا يمس احدا ولا يقترب منه مخلوق. هذه هي عقوبته في الدنيا،
ويوم القيامة له عقوبة ثانية، يبهمها السياق لتجيء ظلالها في النفس اخطر وارعب.
نهض موسى بعد فراغه من السامري الى العجل الذهب والقاه
في النار. لم يكتف بصهره امام عيون القوم المبهوتين، وانما نسفه في البحر نسفا.
تحول الاله المعبود امام عيون المفتونين به الى رماد يتطاير في البحر. ارتفع صوت
موسى: (انَّمَا الَهُكمُ الله الَّذِي لَا الَهَ الَّا هُوَ وَسِعَ كلَّ شَيءٍ
عِلْمًا) هذا هو الهكم، وليس ذلك الصنم الذي لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا.
بعد ان نسف موسى الصنم، وفرغ من الجاني الاصلي، التفت
الى قومه، وحكم في القضية كلها فافهمهم انهم ظلموا انفسهم وترك لعبدة العجل مجالا
واحدا للتوبة. وكان هذا المجال ان يقتل المطيع من بني اسرائي من عصى.
قال تعالى:
وَاذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ انَّكمْ
ظَلَمْتُمْ انفُسَكمْ باتِّخَاذِكمُ الْعِجلَ فَتُوبوا الَى بارِئِكمْ فَاقْتُلُوا
انفُسَكمْ ذَلِكمْ خَيرٌ لَّكمْ عِندَ بارِئِكمْ فَتَاب عَلَيكمْ انَّهُ هُوَ التَّوَّاب
الرَّحِيم (54) (البقرة)
كانت العقوبة التي قررها موسى على عبدة العجل
مهولة، وتتفق مع الجرم الاصلي. ان عبادة الاوثان اهدار لحياة العقل وصحوته، وهي الصحوة
التي تميز الانسان عن غيره من البهائم والجمادات، وازاء هذا الازهاق لصحوة العقل،
تجيء العقوبة ازهاقا لحياة الجسد نفسه، فليس بعد العقل للانسان حياة يتميز بها.
ومن نوع الجرم جاءت العقوبة. جاءت قاسية ثم رحم الله تعالى وتاب. انَّهُ هُوَ التَّوَّاب
الرَّحِيم .
اخيرا. سَكتَ عَن مُّوسَى الْغَضَب. تامل تعبير القران
الكريم الذي يصور الغضب في صورة كائن يقود تصرفات موسى، ابتداء من القائه لالواح التوراة،
وشده للحية اخيه وراسه. وانتهاء بنسف العجل في البحر، وحكمه بالقتل على من اتخذوه
ربا. اخيرا سكت عن موسى الغضب. زايله غضبه في الله، وذلك ارفع انواع الغضب واجدرها
بالاحترام والتوقير. التفت موسى الى مهمته الاصلية حين زايله غضبه فتذكر انه القى الواح
التوراة. وعاد موسى ياخذ الالواح ويعاود دعوته الى الله.
رفع الجبل فوق رؤوس بني إسرائيل :
عاد موسى الى هدوئه، واستانف جهاده في الله، وقرا
الواح التوراة على قومه. أمرهم في البداية ان ياخذوا باحكامها بقوة وعزم. ومن المدهش
ان قومه ساوموه على الحق. قالوا: انشر علينا الالواح فان كانت اوأمرها ونواهيها
سهلة قبلناها. فقال موسى: بل اقبلوها بما فيها. فراجعوا مرارا، فامر الله تعالى ملائكته
فرفعت الجبل على رءوسهم حتى صار كانه غمامة فوقهم، وقيل لهم: ان لم تقبلوها بما فيها
سقط ذلك الجبل عليكم، فقبلوا بذلك، وامروا بالسجود فسجدوا. وضعوا خدودهم على الارض
وراحوا ينظرون الى الجبل فوقهم هلعا ورعبا.
وهكذا اثبت قوم موسى انهم لا يسلمون وجوههم لله الا
اذا لويت اعناقهم بمعجزة حسية باهرة تلقي الرعب في القلوب وتنثني الاقدام نحو سجود
قاهر يدفع الخوف اليه دفعا. وهكذا يساق الناس بالعصا الالهية الى الايمان. يقع هذا
في ظل غياب الوعي والنضج الكافيين لقيام الاقتناع العقلي. ولعلنا هنا نشير مرة اخرى
الى نفسية قوم موسى، وهي المسئول الاول عن عدم اقتناعهم الا بالقوة الحسية والمعجزات
الباهرة. لقد تربى قوم موسى ونشئوا وسط هوان وذل، اهدرت فيهما انسانيتهم والتوت
فطرته. ولم يعد ممكنا بعد ازدهار الذل في نفوسهم واعتيادهم اياه، لم يعد ممكنا ان يساقوا
الى الخير الا بالقوة. لقد اعتادوا ان تسيرهم القوة القاهرة لسادتهم القدامى، ولا بد
لسيدهم الجديد (وهو الايمان) من ان يقاسي الاهوال لتسييرهم، وان يلجا مضطرا الى اسلوب
القوة لينقذهم من الهلاك. لم تمر جريمة عبادة العجل دون اثار.
اختيار سبعين رجلا لميقات الله :
امر موسى بني إسرائيل ان يستغفروا الله ويتوبوا اليه.
اختار منهم سبعين رجلا، الخير فالخير، وقال انطلقوا الى الله فتوبوا اليه مما
صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم. صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم.
خرج موسى بهؤلاء السبعين المختارين لميقات حدده له الله تعالى. دنا موسى من الجبل.
وكلم الله تعالى موسى، وسمع السبعون موسى وهو يكلم ربه.
ولعل معجزة كهذه المعجزة تكون الاخير، وتكون كافية
لحمل الايمان الى القلوب مدى الحياة. غير ان السبعين المختارين لم يكتفوا بما استمعوا
اليه من المعجزة. انما طلبوا رؤية الله تعالى. قالوا سمعنا ونريد ان نرى. قالوا
لموسى ببساطة: (يا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَك حَتَّى نَرَى الله جهْرَةً).
هي ماساة تثير اشد الدهشة. وهي ماساة تشير الى صلابة
القلوب واستمساكها بالحسيات والماديات. كوفئ الطلب المتعنت بعقوبة صاعقة. اخذتهم رجفة
مدمرة صعقت ارواحهم واجسادهم على الفور. ماتوا.
ادرك موسى ما احدثه السبعون المختارون فملاه الاسى
وقام يدعو ربه ويناشده ان يعفو عنهم ويرحمهم، والا يؤاخذهم بما فعل السفهاء منهم،
وليس طلبهم رؤية الله تبارك وتعالى وهم على ما هم فيه من البشرية الناقصة وقسوة القلب
غير سفاهة كبرى. سفاهة لا يكفر عنها الا الموت.
قد يطلب النبي رؤية ربه، كما فعل موسى، ورغم انطلاق
الطلب من واقع الحب العظيم والهوى المسيطر، الذي يبرر بما له من منطق خاص هذا الطلب،
رغم هذا كله يعتبر طلب الرؤية تجاوزا للحدود، يجازى عليه النبي بالصعق، فما بالنا بصدور
هذا الطلب من بشر خاطئين، بشر يحددون للرؤية مكانا وزمانا، بعد كل ما لقوه من معجزات
وايات..؟ اليس هذا سفاهة كبرى..؟ وهكذا صعق من طلب الرؤية.. ووقف موسى يدعو ربه ويستعطفه
ويترضاه.. يحكي المولى عز وجل دعاء موسى عليه السلام بالتوبة على قومه في سورة الاعراف:
وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبعِينَ رَجلا لِّمِيقَاتِنَا
فَلَمَّا اخَذَتْهُمُ الرَّجفَةُ قَالَ رَب لَوْ شِئْتَ أهلكتَهُم مِّن قَبلُ وَاياي
اتُهْلِكنَا بمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا انْ هِي الا فِتْنَتُك تُضِلُّ بهَا
مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء انتَ وَلِينَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَانتَ
خَيرُ الْغَافِرِين (155) وَاكتُب لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الاخِرَةِ
انَّا هُدْنَـا الَيك قَالَ عَذَابي اصِيب بهِ مَنْ اشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كلَّ
شَيءٍ فَسَاكتُبهَا لِلَّذِينَ يتَّقُونَ وَيؤْتُونَ الزَّكـاةَ وَالَّذِينَ هُم باياتِنَا
يؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يتَّبعُونَ الرَّسُولَ النَّبي الامِّي الَّذِي يجدُونَهُ
مَكتُوبا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالانْجيلِ يأمرهم بالْمَعْرُوفِ وَينْهَاهُمْ
عَنِ الْمُنكرِ وَيحِلُّ لَهُمُ الطَّيباتِ وَيحَرِّمُ عَلَيهِمُ الْخَبائِثَ وَيضَعُ
عَنْهُمْ اصْرَهُمْ وَالاغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيهِمْ فَالَّذِينَ امَنُوا بهِ
وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبعُوا النُّورَ الَّذِي انزِلَ مَعَهُ اوْلَـئِك
هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) (الاعراف)
هذه كانت كلمات موسى لربه وهو يدعوه ويترضاه. ورضي
الله تعالى عنه وغفر لقومه فاحياهم بعد موتهم، واستمع المختارون في هذه اللحظات الباهرة
من تاريخ الحياة الى النبوءة بمجيء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
سنلاحظ طريقة الربط بين الحاضر والماضي في الاية،
ان الله تعالى يتجاوز زمن مخاطبة الرسول في الايات الى زمنين سابقين، هما نزول التوراة
ونزول الانجيل، ليقرر انه (تعالى) بشّر بمحمد في هذين الكتابين الكريمين. نعتقد ان
ايراد هذه البشرى جاء يوم صحب موسى من قومه سبعين رجلا هم شيوخ بني إسرائيل وافضل
من فيهم، لميقات ربه. في هذا اليوم الخطير بمعجزاته الكبرى، تم ايراد البشرى باخر انبياء
الله عز وجل.
يقول ابن كثير في كتابه قصص الانبياء، نقلا عن قتادة:
ان موسى قال لربه: يا رب اني اجد في الالواح امة
هي خير امة اخرجت للناس، يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر. رب اجعلهم امتي.
قال: تلك امة احمد.
قال: ربي اني اجد في الالواح امة اناجيلهم في
صدورهم يقرءونها. وكان من قبلهم يقرءون كتابهم نظرا، حتى اذا رفعوها لم يحفظوا شيئا
ولم يعرفوه. وان الله اعطاهم من الحفظ شيئا لم يعطه احدا من الامم. رب اجعلهم امتي.
قال: تلك امة احمد.
قال: رب اني اجد في الالواح امة يؤمنون بالكتاب الاول
وبالكتاب الاخر، ويقاتلون فضول الضلالة. فاجعلهم امتي.
قال: تلك امة احمد.
قال: رب اني اجد في الالواح امة صدقاتهم ياكلونها
في بطونهم، ويؤجرون عليها، وكان من قبلهم من الامم اذا تصدق احدهم بصدقة فقبلت منه
بعث الله عليها نارا فاكلتها، وان ردت عليه تركت فتاكلها السباع والطير. وان الله اخذ
صدقاتهم من غنيهم لفقيرهم. رب فاجعلهم امتي.
قال: تلك امة احمد.
قال: رب فاني اجد في الالواح امة اذا هم احدهم بحسنة
ثم عملها كتبت له عشرة امثالها الى سبعمائة ضعف. رب اجعلهم امتي.
قال: تلك امة احمد.
نزول المن والسلوى:
سار موسى بقومه في سيناء. وهي صحراء ليس فيها شجر
يقي من الشمس، وليس فيها طعام ولا ماء. وادركتهم رحمة الله فساق اليهم المن والسلوى
وظللهم الغمام. والمن مادة يميل طعمها الى الحلاوة وتفرزها بعض اشجار الفاكهة. وساق
الله اليهم السلوى، وهو نوع من انواع الطيور يقال انه (السمان). وحين اشتد بهم الظما
الى الماء، وسيناء مكان يخلو من الماء، ضرب لهم موسى بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا
عشرة عينا من المياه. وكان بنو إسرائيل ينقسمون الى 12 سبطا. فارسل الله المياه لكل
مجموعة. ورغم هذا الاكرام والحفاوة، تحركت في النفوس التواءاتها المريضة. واحتج
قوم موسى بانهم سئموا من هذا الطعام، واشتاقت نفوسهم الى البصل والثوم والفول والعدس،
وكانت هذه الاطعمة اطعمة مصرية تقليدية. وهكذا سال بنو إسرائيل نبيهم موسى ان يدعو
الله ليخرج لهم من الارض هذه الاطعمة.
وعاد موسى يستلفتهم الى ظلمهم لانفسهم، وحنينهم لايام
هوانهم في مصر، وكيف انهم يتبطرون على خير الطعام واكرمه، ويريدون بدله ادنى الطعام
واسواه.
السير باتجاه بيت المقدس :
سار موسى بقومه في اتجاه البيت المقدس. امر موسى
قومه بدخولها وقتال من فيها والاستيلاء عليها. وها قد جاء امتحانهم الاخير. بعد كل
ما وقع لهم من المعجزات والايات والخوارق. جاء دورهم ليحاربوا -بوصفهم مؤمنين- قوما
من عبدة الاصنام.
رفض قوم موسى دخول الاراضي المقدسة. وحدثهم موسى
عن نعمة الله عليهم. كيف جعل فيهم انبياء، وجعلهم ملوكا يرثون ملك فرعون، واتاهم
مَّا لَمْ يؤْتِ احَدًا مِّن الْعَالَمِينَ.
وكان رد قومه عليه انهم يخافون من القتال. قالوا:
ان فيها قوما جبارين، ولن يدخلوا الارض المقدسة حتى يخرج منها هؤلاء.
وانضم لموسى وهارون اثنان من القوم. تقول كتب القدماء
انهم خرجوا في ستمائة الف. لم يجد موسى من بينهم غير رجلين على استعداد للقتال. وراح
هذان الرجلان يحاولان اقناع القوم بدخول الارض والقتال. قالا: ان مجرد دخولهم من الباب
سيجعل لهم النصر. ولكن بني إسرائيل جميعا كانوا يتدثرون بالجبن ويرتعشون في اعماقهم.
مرة اخرى تعاودهم طبيعتهم التي عاودتهم قبل ذلك حين
راوا قوما يعكفون على اصنامهم. فسدت فطرتهم، وانهزموا من الداخل، واعتادوا الذل،
فلم يعد في استطاعتهم ان يحاربوا. وان بقي في استطاعتهم ان يتوقحوا على نبي الله
موسى وربه. وقال قوم موسى له كلمتهم الشهيرة: (فَاذْهَب انتَ وَرَبك فَقَاتِلا انَّا
هَاهُنَا قَاعِدُونَ) هكذا بصراحة وبلا التواء.
ادرك موسى ان قومه ما عادوا يصلحون لشيء. مات الفرعون
ولكن اثاره في النفوس باقية يحتاج شفاؤها لفترة طويلة. عاد موسى الى ربه يحدثه انه
لا يملك الا نفسه واخاه. دعا موسى على قومه ان يفرق الله بينه وبينهم.
واصدر الله تعالى حكمه على هذا الجيل الذي فسدت
فطرته من بني إسرائيل. كان الحكم هو التيه اربعين عاما. حتى يموت هذا الجيل او يصل
الى الشيخوخة. ويولد بدلا منه جيل اخر، جيل لم يهزمه احد من الداخل، ويستطيع ساعتها
ان يقاتل وان ينتصر.
قصة البقرة :
بدات ايام التيه. بدا السير في دائرة مغلقة. تنتهي
من حيث تبدا، وتبدا من حيث تنتهي، بدا السير الى غير مقصد. ليلا ونهارا وصباحا ومساء.
دخلوا البرية عند سيناء.
مكث موسى في قومه يدعوهم الى الله. ويبدو ان
نفوسهم كانت ملتوية بشكل لا تخطئه عين الملاحظة، وتبدو لجاجتهم وعنادهم فيما يعرف بقصة
البقرة. فان الموضوع لم يكن يقتضي كل هذه المفاوضات بينهم وبين موسى، كما انه لم يكن
يستوجب كل هذا التعنت. واصل قصة البقرة ان قتيلا ثريا وجد يوما في بني إسرائيل، واختصم
أهله ولم يعرفوا قاتله، وحين اعياهم الامر لجئوا لموسى ليلجا لربه. ولجا موسى لربه
فأمره ان يامر قومه ان يذبحوا بقرة. وكان المفروض هنا ان يذبح القوم اول بقرة تصادفهم.
غير انهم بدءوا مفاوضتهم باللجاجة. اتهموا موسى بانه يسخر منهم ويتخذهم هزوا، واستعاذ
موسى بالله ان يكون من الجأهلين ويسخر منهم. افهمهم ان حل القضية يكمن في ذبح بقرة.
ان الامر هنا امر معجزة، لا علاقة لها بالمالوف في
الحياة، او المعتاد بين الناس. ليست هناك علاقة بين ذبح البقرة ومعرفة القاتل في الجريمة
الغامضة التي وقعت، لكن متى كانت الاسباب المنطقية هي التي تحكم حياة بني إسرائيل؟
ان المعجزات الخارقة هي القانون السائد في حياتهم، وليس استمرارها في حادث البقرة امرا
يوحي بالعجب او يثير الدهشة.
لكن بني إسرائيل هم بنو إسرائيل. مجرد التعامل
معهم عنت. تستوي في ذلك الامور الدنيوية المعتادة، وشؤون العقيدة المهمة. لا بد ان
يعاني من يتصدى لامر من امور بني إسرائيل. وهكذا يعاني موسى من ايذائهم له واتهامه
بالسخرية منهم، ثم ينبئهم انه جاد فيما يحدثهم به، ويعاود أمره ان يذبحوا بقرة،
وتعود الطبيعة المراوغة لبني إسرائيل الى الظهور، تعود اللجاجة والالتواء، فيتساءلون:
اهي بقرة عادية كما عهدنا من هذا الجنس من الحيوان؟ ام انها خلق تفرد بمزية، فليدع
موسى ربه ليبين ما هي. ويدعو موسى ربه فيزداد التشديد عليهم، وتحدد البقرة اكثر من
ذي قبل، بانها بقرة وسط. ليست بقرة مسنة، وليست بقرة فتية. بقرة متوسطة.
الى هنا كان ينبغي ان ينتهي الامر، غير ان المفاوضات
لم تزل مستمرة، ومراوغة بني إسرائيل لم تزل هي التي تحكم مائدة المفاوضات. ما هو
لون البقرة؟ لماذا يدعو موسى ربه ليساله عن لون هذا البقرة؟ لا يراعون مقتضيات الادب
والوقار اللازمين في حق الله تعالى وحق نبيه الكريم، وكيف انهم ينبغي ان يخجلوا من
تكليف موسى بهذا الاتصال المتكرر حول موضوع بسيط لا يستحق كل هذه اللجاجة والمراوغة.
ويسال موسى ربه ثم يحدثهم عن لون البقرة المطلوبة. فيقول انها بقرة صفراء، فاقع
لونها تسر الناظرين.
وهكذا حددت البقرة بانها صفراء، ورغم وضوح الامر،
فقد عادوا الى اللجاجة والمراوغة. فشدد الله عليهم كما شددوا على نبيه واذوه. عادوا
يسالون موسى ان يدعو الله ليبين ما هي، فان البقر تشابه عليهم، وحدثهم موسى عن بقرة
ليست معدة لحرث ولا لسقي، سلمت من العيوب، صفراء لا شية فيها، بمعنى خالصة الصفرة.
انتهت بهم اللجاجة الى التشديد. وبدءوا بحثهم عن بقرة بهذه الصفات الخاصة. اخيرا وجدوها
عند يتيم فاشتروها وذبحوها.
وامسك موسى جزء من البقرة (وقيل لسانها) وضرب به القتيل
فنهض من موته. ساله موسى عن قاتله فحدثهم عنه (وقيل اشار الى القاتل فقط من غير ان
يتحدث) ثم عاد الى الموت. وشاهد بنو إسرائيل معجزة احياء الموتى امام اعينهم، استمعوا
باذانهم الى اسم القاتل. انكشف غموض القضية التي حيرتهم زمنا طال بسبب لجاجتهم
وتعنتهم.
نود ان نستلفت انتباه القارئ الى سوء ادب القوم
مع نبيهم وربهم، ولعل السياق القراني يورد ذلك عن طريق تكرارهم لكلمة "ربك"
التي يخاطبون بها موسى. وكان الاولى بهم ان يقولوا لموسى، تادبا، لو كان لا بد ان يقولوا:
(ادْعُ لَنَا رَبك) ادع لنا ربنا. اما ان يقولوا له: فكانهم يقصرون ربوبية الله تعالى
على موسى. ويخرجون انفسهم من شرف العبودية لله. انظر الى الايات كيف توحي بهذا كله.
ثم تامل سخرية السياق منهم لمجرد ايراده لقولهم: (الانَ جئْتَ بالْحَقِّ) بعد ان ارهقوا
نبيهم ذهابا وجيئة بينهم وبين الله عز وجل، بعد ان ارهقوا نبيهم بسؤاله عن صفة البقرة
ولونها وسنها وعلاماتها المميزة، بعد تعنتهم وتشديد الله عليهم، يقولون لنبيهم حين
جاءهم بما يندر وجوده ويندر العثور عليه في البقر عادة.
ساعتها قالوا له: "الانَ جئْتَ بالْحَقِّ".
كانه كان يلعب قبلها معهم، ولم يكن ما جاء هو الحق من اول كلمة لاخر كلمة. ثم انظر
الى ظلال السياق وما تشي به من ظلمهم: (فَذَبحُوهَا وَمَا كادُوا يفْعَلُونَ) الا
توحي لك ظلال الايات بتعنتهم وتسويفهم ومماراتهم ولجاجتهم في الحق؟ هذه اللوحة الرائعة
تشي بموقف بني إسرائيل على موائد المفاوضات. هي صورتهم على مائدة المفاوضات مع نبيهم
الكريم موسى.
ايذاء بني إسرائيل لموسى :
قاسى موسى من قومه اشد المقاساة، وعانى عناء عظيما،
واحتمل في تبليغهم رسالته ما احتمل في سبيل الله. ولعل مشكلة موسى الاساسية انه بعث
الى قوم طال عليهم العهد بالهوان والذل، وطال بقاؤهم في جو يخلو من الحرية، وطال مكثهم
وسط عبادة الاصنام، ولقد نجحت المؤثرات العديدة المختلفة في ان تخلق هذه النفسية الملتوية
الخائرة المهزومة التي لا تصلح لشيء. الا ان تعذب انبيائها ومصلحيها.
وقد عذب بنو إسرائيل موسى عذابا نستطيع -نحن أبناء
هذا الزمان- ان ندرك وقعه على نفس موسى النقية الحساسة الكريمة. ولم يقتصر العذاب
على العصيان والغباء واللجاجة والجهل وعبادة الاوثان، وانما تعدى الامر الى ايذاء
موسى في شخصه.
قال تعالى:
يا ايهَا الَّذِينَ امَنُوا لَا تَكونُوا كالَّذِينَ
اذَوْا مُوسَى فَبرَّاهُ الله مِمَّا قَالُوا وَكانَ عِندَ الله وَجيهًا (69) (الاحزاب)
ونحن لا تعرف كنه هذا الايذاء، ونستبعد رواية بعض
العلماء التي يقولون فيها ان موسى كان رجلا حييا يستتر دائما ولا يحب ان يرى احد
من الناس جسده فاتهمه اليهود بانه مصاب بمرض جلدي او برص، فاراد الله ان يبرئه مما
قالوا، فذهب يستحم يوما ووضع ثيابه على حجر، ثم خرج فاذا الحجر يجري بثيابه وموسى يجري
وراء الحجر عاريا حتى شاهده بنو إسرائيل عاريا وليس بجلده عيب. نستبعد هذه القصة
لتفاهتها، فانها الى جوار خرافة جري الحجر بملابسه، لا تعطي موسى حقه من التوقير،
وهي تتنافى مع عصمته كنبي.
ونعتقد ان اليهود اذوا موسى ايذاء نفسيا، هذا هو الايذاء
الذي يدمي النفوس الكريمة ويجرحها حقا، ولا نعرف كيف كان هذا الايذاء، ولكننا نستطيع
تخيل المدى العبقري الاثم الذي يستطيع بلوغه بنو إسرائيل في ايذائهم لموسى.
فترة التيه :
ولعل اعظم ايذاء لموسى، كان رفض بني إسرائيل القتال
من اجل نشر عقيدة التوحيد في الارض، او على اقل تقدير، السماح لهذه العقيدة ان
تستقر على الارض في مكان، وتامن على نفسها، وتمارس تعبدها في هدوء. لقد رفض بنو إسرائيل
القتال. وقالوا لموسى كلمتهم الشهيرة: (فَاذْهَب انتَ وَرَبك فَقَاتِلا انَّا هَاهُنَا
قَاعِدُونَ).
وبهذه النفسية حكم الله عليهم بالتيه. وكان الحكم
يحدد اربعين عاما كاملة، وقد مكث بنو إسرائيل في التيه اربعين سنة، حتى فني جيل باكمله.
فنى الجيل الخائر المهزوم من الداخل، وولد في ضياع الشتات وقسوة التيه جيل جديد. جيل
لم يتربى وسط مناخ وثني، ولم يشل روحه انعدام الحرية. جيل لم ينهزم من الداخل، جيل
لم يعد يستطيع الأبناء فيه ان يفهموا لماذا يطوف الاباء هكذا بغير هدف في تيه لا يبدو
له اول ولا تستبين له نهاية. الا خشية من لقاء العدو. جيل صار مستعدا لدفع ثمن ادميته
وكرامته من دمائه. جيل لا يقول لموسى (فَاذْهَب انتَ وَرَبك فَقَاتِلا انَّا هَاهُنَا
قَاعِدُونَ).
جيل اخر يتبنى قيم الشجاعة العسكرية، كجزء مهم من
نسيج اي ديانة من ديانات التوحيد. اخيرا ولد هذا الجيل وسط تيه الاربعين عاما.
ولقد قدر لموسى. زيادة في معاناته ورفعا لدرجته
عند الله تعالى. قدر له الا تكتحل عيناه بمراى هذا الجيل. فقد مات موسى عليه الصلاة
والسلام قبل ان يدخل بنو إسرائيل الارض التي كتب الله عليهم دخولها.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان قومه يؤذونه
في الله: قد اوذي موسى باكثر من ذلك فصبر.
مات هارون قبل موسى بزمن قصير. واقترب اجل موسى،
عليه الصلاة والسلام. وكان لم يزل في التيه. قال يدعو ربه: رب ادنني الى الارض المقدسة
رمية حجر.
احب ان يموت قريبا من الارض التي هاجر اليها. وحث
قومه عليها. ولكنه لم يستطع، ومات في التيه. ودفن عند كثيب احمر حدث عنه اخر انبياء
الله في الارض حين اسرى به. قال محمد صلى الله عليه وسلم: لما اسري بي مررت بموسى
وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الاحمر.
تروي الاساطير عديدا من الحكايات حول موت موسى،
وتحكي انه ضرب ملك الموت حين جاء يستل روحه، وامثال هذه الروايات كثيرة. لكننا لا
نحب ان نخوض في هذه الروايات حتى لا ننجرف وراء الإسرائيليات التي دخلت بعض كتب التفسير.
مات موسى -عليه الصلاة والسلام- في التيه، وتولى يوشع
بن نون امر بني إسرائيل.
الجزء الرابع: موسى و العبد الصالح
قال تعالى:
وَاذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا ابرَحُ حَتَّى ابلُغَ
مَجمَعَ الْبحْرَينِ اوْ امْضِي حُقُبا (60) (الكهف)
كان لموسى -عليه السلام- هدف من رحلته هذه التي اعتزمها،,
وانه كان يقصد من ورائها امرا، فهو يعلن عن تصميمه على بلوغ مجمع البحرين مهما تكن
المشقة، ومهما يكن الزمن الذي ينفه في الوصول. فيعبر عن هذا التصميم قائلا (اوْ امْضِي
حُقُبا).
نرى ان القران الكريم لا يحدد لنا المكان الذي
وقت فيه الحوادث، ولا يحدد لنا التاريخ، كما انه لم يصرح بالاسماء. ولم يبين ماهية
العبد الصالح الذي التقاه موسى، هل هو نبي او رسول؟ ام عالم؟ ام ولي؟
اختلف المفسرون في تحديد المكان، فقيل انه بحر فارس
والروم، وقيل بل بحر الاردن او القلزم، وقيل عند طنجة، وقيل في افريقيا، وقيل هو بحر
الاندلس.. ولا يقوم الدليل على صحة مكان من هذه الامكنة، ولو كان تحديد المكان
مطلوبا لحدده الله تعالى.. وانما ابهم السياق القراني المكان، كما ابهم تحديد الزمان،
كما ضبب اسماء الاشخاص لحكمة عليا.
ان القصة تتعلق بعلم ليس هو علمنا القائم على الاسباب..
وليس هو علم الانبياء القائم على الوحي.. انما نحن امام علم من طبيعة غامضة اشد الغموض..
علم القدر الاعلى، وذلك علم اسدلت عليه الاستار الكثيفة.. مكان اللقاء مجهول كما راينا..
وزمان اللقاء غير معروف هو الاخر.. لا نعرف متى تم لقاء موسى بهذا العبد.
وهكذا تمضي القصة بغير ان تحدد لك سطورها مكان
وقوع الاحداث، ولا زمانه، يخفي السياق القراني ايضا اسم اهم ابطالها.. يشير اليه الحق
تبارك وتعالى بقوله: (عَبدًا مِّنْ عِبادِنَا اتَينَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا
وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) هو عبد اخفى السياق القراني اسمه.. هذا العبد
هو الذي يبحث عنه موسى ليتعلم منه.
لقد خص الله تعالى نبيه الكريم موسى -عليه السلام-
بامور كثيرة. فهو كليم الله عز وجل، واحد اولي العزم من الرسل، وصاحب معجزة العصا
واليد، والنبي الذي انزلت عليه التوراة دون واسطة، وانما كلمه الله تكليما.. هذا النبي
العظيم يتحول في القصة الى طالب علم متواضع يحتمل استاذه ليتعلم.. ومن يكون معلمه
غير هذا العبد الذي يتجاوز السياق القراني اسمه، وان حدثتنا السنة المطهرة انه هو الخضر
-عليه السلام- كما حدثتنا ان الفتى هو يوشع بن نون، ويسير موسى مع العبد الذي يتلقى
علمه من الله بغير اسباب التلقي الني نعرفها.
ومع منزلة موسى العظيمة الا ان الخضر يرفض صحبة
موسى.. يفهمه انه لن يستطيع معه صبرا.. ثم يوافق على صحبته بشرط.. الا يساله موسى
عن شيء حتى يحدثه الخضر عنه.
والخضر هو الصمت المبهم ذاته، انه لا يتحدث،
وتصرفاته تثير دهشة موسى العميقة.. ان هناك تصرفات ياتيها الخضر وترتفع امام عيني
موسى حتى لتصل الى مرتبة الجرائم والكوارث.. وهناك تصرفات تبدو لموسى بلا معنى..
وتثير تصرفات الخضر دهشة موسى ومعارضته.. ورغم علم موسى ومرتبته، فانه يجد نفسه في
حيرة عميقة من تصرفات هذا العبد الذي اتاه الله من لدنه علما.
وقد اختلف العلماء في الخضر: فيهم من يعتبره وليا
من اولياء الله، وفيهم من يعتبره نبيا.. وقد نسجت الاساطير نفسها حول حياته ووجوده،
فقيل انه لا يزال حيا الى يوم القيامة، وهي قضية لم ترد بها نصوص او اثار يوثق فيها،
فلا نقول فيها الا انه مات كما يموت عباد الله.. وتبقى قضية ولايته، او نبوته..
وسنرجئ الحديث في هذه القضية حتى ننظر في قصته كما اوردها القران الكريم.
قام موسى خطيبا في بني إسرائيل، يدعوهم الى الله
ويحدثهم عن الحق، ويبدو ان حديثه جاء جامعا مانعا رائعا.. بعد ان انتهى من خطابه ساله
احد المستمعين من بني إسرائيل: هل على وجه الارض احد اعلم منك يا نبي الله؟
قال موسى مندفعا: لا..
وساق الله تعالى عتابه لموسى حين لم يرد العلم اليه،
فبعث اليه جبريل يساله: يا موسى ما يدريك اين يضع الله علمه؟
ادرك موسى انه تسرع.. وعاد جبريل، عليه السلام، يقول
له: ان لله عبدا بمجمع البحرين هو اعلم منك.
تاقت نفس موسى الكريمة الى زيادة العلم، وانعقدت
نيته على الرحيل لمصاحبة هذا العبد العالم.. سال كيف السبيل اليه.. فامر ان يرحل،
وان يحمل معه حوتا في مكتل، اي سمكة في سلة.. وفي هذا المكان الذي ترتد فيه الحياة
لهذا الحوت ويتسرب في البحر، سيجد العبد العالم.. انطلق موسى -طالب العلم- ومعه فتاه..
وقد حمل الفتى حوتا في سلة.. انطلقا بحثا عن العبد الصالح العالم.. وليست لديهم اي
علامة على المكان الذي يوجد فيه الا معجزة ارتداد الحياة للسمكة القابعة في السلة
وتسربها الى البحر.
ويظهر عزم موسى -عليه السلام- على العثور على هذا
العبد العالم ولو اضطره الامر الى ان يسير احقابا واحقابا. قيل ان الحقب عام، وقيل
ثمانون عاما. على اية حال فهو تعبير عن التصميم، لا عن المدة على وجه التحديد.
وصل الاثنان الى صخرة جوار البحر.. رقد موسى واستسلم
للنعاس، وبقي الفتى ساهرا.. والقت الرياح احدى الامواج على الشاطئ فاصاب الحوت رذاذ
فدبت فيه الحياة وقفز الى البحر.. (فَاتَّخَذَ سَبيلَهُ فِي الْبحْرِ سَرَبا).. وكان
تسرب الحوت الى البحر علامة اعلم الله بها موسى لتحديد مكان لقائه بالرجل الحكيم الذي
جاء موسى يتعلم منه.
نهض موسى من نومه فلم يلاحظ ان الحوت تسرب الى البحر..
ونسي فتاه الذي يصحبه ان يحدثه عما وقع للحوت.. وسار موسى مع فتاه بقية يومهما وليلتهما
وقد نسيا حوتهما.. ثم تذكر موسى غداءه وحل عليه التعب.. (قَالَ لِفَتَاهُ اتِنَا
غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبا).. ولمع في ذهن الفتى ما
وقع.
ساعتئذ تذكر الفتى كيف تسرب الحوت الى البحر هناك..
واخبر موسى بما وقع، واعتذر اليه بان الشيطان انساه ان يذكر له ما وقع، رغم غرابة
ما وقع، فقد اتخذ الحوت (سَبيلَهُ فِي الْبحْرِ عَجبا).. كان امرا عجيبا ما راه يوشع
بن نون، لقد راى الحوت يشق الماء فيترك علامة وكانه طير يتلوى على الرمال.
سعد موسى من مروق الحوت الى البحر و(قَالَ ذَلِك
مَا كنَّا نَبغِ).. هذا ما كنا نريده.. ان تسرب الحوت يحدد المكان الذي سنلتقي فيه
بالرجل العالم.. ويرتد موسى وفتاه يقصان اثرهما عائدين.. انظر الى بداية القصة، وكيف
تجيء غامضة اشد الغموض، مبهمة اعظم الابهام.
اخيرا وصل موسى الى المكان الذي تسرب منه الحوت..
وصلا الى الصخرة التي ناما عندها، وتسرب عندها الحوت من السلة الى البحر.. وهناك وجدا
رجلا.
يقول البخاري ان موسى وفتاه وجدا الخضر مسجى بثوبه..
وقد جعل طرفه تحت رجليه وطرف تحت راسه.
فسلم عليه موسى، فكشف عن وجهه وقال: هل بارضك سلام..؟
من انت؟
قال موسى: انا موسى.
قال الخضر: موسى بني إسرائيل.. عليك السلام يا نبي
إسرائيل.
قال موسى: وما ادراك بي..؟
قال الخضر: الذي ادراك بي ودلك علي.. ماذا تريد يا
موسى..؟
قال موسى ملاطفا مبالغا في التوقير: (هَلْ اتَّبعُك
عَلَى ان تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا).
قال الخضر: اما يكفيك ان التوراة بيديك.. وان الوحي
ياتيك..؟ يا موسى (انَّك لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبرًا).
نريد ان نتوقف لحظة لنلاحظ الفرق بين سؤال موسى الملاطف
المغالي في الادب.. ورد الخضر الحاسم، الذي يفهم موسى ان علمه لا ينبغي لموسى ان يعرفه،
كما ان علم موسى هو علم لا يعرفه الخضر.. يقول المفسرون ان الخضر قال لموسى: ان
علمي انت تجهله.. ولن تطيق عليه صبرا، لان الظواهر التي ستحكم بها على علمي لن تشفي
قلبك ولن تعطيك تفسيرا، وربما رايت في تصرفاتي ما لا تفهم له سببا او تدري له
علة.. واذن لن تصبر على علمي يا موسى.
احتمل موسى كلمات الصد القاسية وعاد يرجوه ان يسمح
له بمصاحبته والتعلم منه.. وقال له موسى فيما قال انه سيجده ان شاء الله صابرا ولا
يعصي له امرا.
تامل كيف يتواضع كليم الله ويؤكد للعبد المدثر بالخفاء
انه لن يعصي له امرا.
قال الخضر لموسى -عليهما السلام- ان هناك شرطا يشترطه
لقبول ان يصاحبه موسى ويتعلم منه هو الا يساله عن شيء حتى يحدثه هو عنه.. فوافق
موسى على الشرط وانطلقا..
انطلق موسى مع الخضر يمشيان على ساحل البحر.. مرت
سفينة، فطلب الخضر وموسى من اصحابها ان يحملوهما، وعرف اصحاب السفينة الخضر فحملوه
وحملوا موسى بدون اجر، اكراما للخضر، وفوجئ موسى حين رست السفينة وغادرها اصحابها
وركابها.. فوجئ بان الخضر يتخلف فيها، لم يكد اصحابها يبتعدون حتى بدا الخضر يخرق السفينة..
اقتلع لوحا من الواحها والقاه في البحر فحملته الامواج بعيدا.
فاستنكر موسى فعلة الخضر. لقد حملنا اصحاب السفينة
بغير اجر.. اكرمونا.. وها هو ذا يخرق سفينتهم ويفسدها.. كان التصرف من وجهة نظر
موسى معيبا.. وغلبت طبيعة موسى المندفعة عليه، كما حركته غيرته على الحق، فاندفع يحدث
استاذه ومعلمه وقد نسي شرطه الذي اشترطه عليه: (قَالَ اخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أهلهَا
لَقَدْ جئْتَ شَيئًا امْرًا).
وهنا يلفت العبد الرباني نظر موسى الى عبث محاولة
التعليم منه، لانه لن يستطيع الصبر عليه (قَالَ الَمْ اقُلْ انَّك لَن تَسْتَطِيعَ
مَعِي صَبرًا)، ويعتذر موسى بالنسيان ويرجوه الا يؤاخذه والا يرهقه (قَالَ لَا
تُؤَاخِذْنِي بمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ امْرِي عُسْرًا).
سارا معا.. فمرا على حديقة يلعب فيها الصبيان..
حتى اذا تعبوا من اللعب انتحى كل واحد منهم ناحية واستسلم للنعاس.. فوجئ موسى بان العبد
الرباني يقتل غلاما.. ويثور موسى سائلا عن الجريمة التي ارتكبها هذا الصبي ليقتله
هكذا.. يعاود العبد الرباني تذكيره بانه افهمه انه لن يستطيع الصبر عليه (قَالَ الَمْ
اقُل لَّك انَّك لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبرًا).. ويعتذر موسى بانه نسي ولن يعاود الاسئلة
واذا ساله مرة اخرى سيكون من حقه ان يفارقه (قَالَ ان سَالْتُك عَن شَيءٍ بعْدَهَا
فَلَا تُصَاحِبنِي قَدْ بلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا).
ومضى موسى مع الخضر.. فدخلا قرية بخيلة.. لا يعرف
موسى لماذا ذهبا الى القرية، ولا يعرف لماذا يبيتان فيها، نفذ ما معهما من الطعام،
فاستطعما أهل القرية فابوا ان يضيفوهما.. وجاء عليهما المساء، واوى الاثنان الى خلاء
فيه جدار يريد ان ينقض.. جدار يتهاوى ويكاد يهم بالسقوط.. وفوجئ موسى بان الرجل العابد
ينهض ليقضي الليل كله في اصلاح الجدار وبنائه من جديد.. ويندهش موسى من تصرف رفيقه
ومعلمه، ان القرية بخيلة، لا يستحق من فيها هذا العمل المجاني (قَالَ لَوْ شِئْتَ
لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ اجرًا).. انتهى الامر بهذه العبارة.. قال عبد الله لموسى:
(هَذَا فِرَاقُ بينِي وَبينِك).
لقد حذر العبد الرباني موسى من مغبة السؤال. وجاء
دور التفسير الان..
ان كل تصرفات العبد الرباني التي اثارت موسى وحيرته
لم يكن حين فعلها تصدر عن أمره.. كان ينفذ ارادة عليا.. وكانت لهذه الارادة العليا
حكمتها الخافية، وكانت التصرفات تشي بالقسوة الظاهرة، بينما تخفي حقيقتها رحمة حانية..
وهكذا تخفي الكوارث احيانا في الدنيا جوهر الرحمة، وترتدي النعم ثياب المصائب وتجيد
التنكر، وهكذا يتناقض ظاهر الامر وباطنه، ولا يعلم موسى، رغم علمه الهائل غير قطرة
من علم العبد الرباني، ولا يعلم العبد الرباني من علم الله الا بمقدار ما ياخذ العصفور
الذي يبلل منقاره في البحر، من ماء البحر..
كشف العبد الرباني لموسى شيئين في الوقت نفسه.. كشف
له ان علمه -اي علم موسى- محدود.. كما كشف له ان كثيرا من المصائب التي تقع على الارض
تخفي في ردائها الاسود الكئيب رحمة عظمى.
ان اصحاب السفينة سيعتبرون خرق سفينتهم مصيبة جاءتهم،
بينما هي نعمة تتخفى في زي المصيبة.. نعمة لن تكشف النقاب عن وجهها الا بعد ان تنشب
الحرب ويصادر الملك كل السفن الموجودة غصبا، ثم يفلت هذه السفينة التالفة المعيبة..
وبذلك يبقى مصدر رزق الاسرة عندهم كما هو، فلا يموتون جوعا.
ايضا سيعتبر والد الطفل المقتول وامه ان كارثة قد
دهمتهما لقتل وحيدهما الصغير البريء.. غير ان موته يمثل بالنسبة لهما رحمة عظمى، فان
الله سيعطيهما بدلا منه غلاما يرعاهما في شيخوختهما ولا يرهقهما طغيانا وكفرا كالغلام
المقتول.
وهكذا تختفي النعمة في ثياب المحنة، وترتدي الرحمة
قناع الكارثة، ويختلف ظاهر الاشياء عن باطنها حتى ليحتج نبي الله موسى الى تصرف يجري
امامه، ثم يستلفته عبد من عباد الله الى حكمة التصرف ومغزاه ورحمة الله الكلية التي
تخفي نفسها وراء اقنعة عديدة.
اما الجدار الذي اتعب نفسه باقامته، من غير ان يطلب
اجرا من أهل القرية، كان يخبئ تحته كنزا لغلامين يتيمين ضعيفين في المدينة. ولو ترك
الجدار ينقض لظهر من تحته الكنز فلم يستطع الصغيران ان يدفعا عنه.. ولما كان ابوهما
صالحا فقد نفعهما الله بصلاحه في طفولتهما وضعفهما، فاراد ان يكبرا ويشتد عودهما ويستخرجا
كنزهما وهما قادران على حمايته.
ثم ينفض الرجل يده من الامر. فهي رحمة الله التي اقتضت
هذا التصرف. وهو امر الله لا أمره. فقد اطلعه على الغيب في هذه المسالة وفيما قبلها،
ووجهه الى التصرف فيها وفق ما اطلعه عليه من غيبه.
واختفى هذا العبد الصالح.. لقد مضى في المجهول كما
خرج من المجهول.. الا ان موسى تعلم من صحبته درسين مهمين:
تعلم الا يغتر بعلمه في الشريعة، فهناك علم الحقيقة.
وتعلم الا يتجهم قلبه لمصائب البشر، فربما تكون يد
الرحمة الخالقة تخفي سرها من اللطف والانقاذ، والايناس وراء اقنعة الحزن والالام والموت.
هذه هي الدروس التي تعلمها موسى كليم الله عز وجل
ورسوله من هذا العبد المدثر بالخفاء.
والان من يكون صاحب هذا العلم اذن..؟ اهو ولي ام
نبي..؟
يرى كثير من الصوفية ان هذا العبد الرباني ولي من
اولياء الله تعالى، اطلعه الله على جزء من علمه اللدني بغير اسباب انتقال العلم المعروفة..
ويرى بعض العلماء ان هذا العبد الصالح كان نبيا.. ويحتج اصحاب هذا الراي بان سياق القصة
يدل على نبوته من وجوه :
1- احدها قوله تعالى :
فَوَجدَا عَبدًا مِّنْ عِبادِنَا اتَينَاهُ
رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (65) (الكهف)
2- والثاني قول موسى له :
قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ اتَّبعُك عَلَى ان
تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ انَّك لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبرًا
(67) وَكيفَ تَصْبرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بهِ خُبرًا (68) قَالَ سَتَجدُنِي ان
شَاء الله صَابرًا وَلَا اعْصِي لَك امْرًا (69) قَالَ فَانِ اتَّبعْتَنِي فَلَا
تَسْالْنِي عَن شَيءٍ حَتَّى احْدِثَ لَك مِنْهُ ذِكرًا (70) (الكهف)
فلو كان وليا ولم يكن نبي، لم يخاطبه موسى بهذه المخاطبة،
ولم يرد على موسى هذا الرد. ولو انه كان غير نبي، لكان هذا معناه انه ليس معصوما،
ولم يكن هناك دافع لموسى، وهو النبي العظيم، وصاحب العصمة، ان يلتمس علما من ولي غير
واجب العصمة.
3- والثالث ان الخضر اقدم على قتل ذلك الغلام
بوحي من الله وامر منه.. وهذا دليل مستقل على نبوته، وبرهان ظاهر على عصمته، لان الولي
لا يجوز له الاقدام على قتل النفوس بمجرد ما يلقى في خلده، لان خاطره ليس بواجب العصمة..
اذ يجوز عليه الخطا بالاتفاق.. واذن ففي اقدام الخضر على قتل الغلام دليل نبوته.
والرابع
قول الخضر لموسى :-4
رَحْمَةً مِّن رَّبك وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ امْرِي
يعني ان ما فعلته لم افعله من تلقاء نفسي، بل امر
امرت به من الله واوحي الي فيه.
فراى العلماء ان الخضر نبيا، اما العباد والصوفية
راوا انه وليا من اولياء الله.
ومن كلمات الخضر التي اوردها الصوفية عنه.. قول
وهب بن منبه: قال الخضر: يا موسى ان الناس معذبون في الدنيا على قدر همومهم بها.
وقول بشر بن الحارث الحافي.. قال موسى للخضر: اوصني.. قال الخضر: يسر الله عليك طاعته.
ونحن نميل الى اعتباره نبيا لعلمه اللدني، غير اننا
لا نجد نصا في سياق القران على نبوته، ولا نجد نصا مانعا من اعتباره وليا اتاه الله
بعض علمه اللدني.. ولعل هذا الغموض حول شخصه الكريم جاء متعمدا، ليخدم الهدف الاصلي
للقصة.. ولسوف نلزم مكاننا فلا نتعداه ونختصم حول نبوته او ولايته.. وان اوردناه في
سياق انبياء الله، لكونه معلما لموسى.. واستاذا له فترة من الزمن.
قارون وقوم موسى :
يروي لنا القران قصة قارون، وهو من قوم موسى. لكن
القران لا يحدد زمن القصة ولا مكانها. فهل وقعت هذه القصة وبنو إسرائيل وموسى في
مصر قبل الخروج؟ او وقعت بعد الخروج في حياة موسى؟ ام وقعت في بني إسرائيل من بعد
موسى؟ وبعيدا عن الروايات المختلفة، نورد القصة كما ذكرها القران الكريم.
يحدثنا الله عن كنوز قارون فيقول سبحانه وتعالى ان
مفاتيح الحجرات التي تضم الكنوز، كان يصعب حملها على مجموعة من الرجال الاشداء.
ولو عرفنا عن مفاتيح الكنوز هذه الحال، فكيف كانت الكنوز ذاتها؟! لكن قارون بغى
على قومه بعد ان اتاه الله الثراء. ولا يذكر القران فيم كان البغي، ليدعه مجهلا يشمل
شتى الصور. فربما بغى عليهم بظلمهم وغصبهم ارضهم واشياءهم. وربما بغى عليهم بحرمانهم
حقهم في ذلك المال. حق الفقراء في اموال الاغنياء. وربما بغى عليهم بغير هذه الاسباب.
ويبدو ان العقلاء من قومه نصحوه بالقصد والاعتدال،
وهو المنهج السليم. فهم يحذروه من الفرح الذي يؤدي بصاحبه الى نسيان من هو المنعم بهذا
المال، وينصحونه بالتمتع بالمال في الدنيا، من غير ان ينسى الاخرة، فعليه ان يعمل
لاخرته بهذا المال. ويذكرونه بان هذا المال هبة من الله واحسان، فعليه ان يحسن ويتصدق
من هذا المال، حتى يرد الاحسان بالاحسان. ويحذرونه من الفساد في الارض، بالبغي، والظلم،
والحسد، والبغضاء، وانفاق المال في غير وجهه، او امساكه عما يجب ان يكون فيه. فالله
لا يحب المفسدين.
فكان رد قارون جملة واحد تحمل شتى معاني الفساد
(قَالَ انَّمَا اوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي). لقد انساه غروره مصدر هذه النعمة
وحكمتها، وفتنه المال واعماه الثراء. فلم يستمع قارون لنداء قومه، ولم يشعر بنعمة
ربه.
وخرج قارون ذات يوم على قومه، بكامل زينته، فطارت
قلوب بعض القوم، وتمنوا ان لديهم مثل ما اوتي قارون، واحسوا انه في نعمة كبيرة.
فرد عليهم من سمعهم من أهل العلم والايمان: ويلكم ايها المخدوعون، احذروا الفتنة،
واتقوا الله، واعلموا ان ثواب الله خير من هذه الزينة، وما عند الله خير مما عند قارون.
وعندما تبلغ فتنة الزينة ذروتها، وتتهافت امامها النفوس
وتتهاوى، تتدخل القدرة الالهية لتضع حدا للفتنة، وترحم الناس الضعاف من اغراءها،
وتحطم الغرور والكبرياء، فيجيء العقاب حاسما (فَخَسَفْنَا بهِ وَبدَارِهِ الْارْضَ)
هكذا في لمحة خاطفة ابتلعته الارض وابتلعت داره. وذهب ضعيفا عاجزا، لا ينصره احد،
ولا ينتصر بجاه او مال.
وبدا الناس يتحدثون الى بعضهم البعض في دهشة وعجب
واعتبار. فقال الذين كانوا يتمنون ان عندهم مال قارون وسلطانه وزينته وحظه في الدنيا:
حقا ان الله تعالى يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويوسع عليهم، او يقبض ذلك، فالحمد
لله ان منّ علينا فحفظنا من الخسف والعذاب الاليم. انا تبنا اليك سبحانك، فلك الحمد
في الاولى والاخرة.
تمت. بحمد الله
أقرأ أيضاً :
◄: كيف تساهم ثقافة اللامبالاة في تفشي الاحتيال الإلكتروني في العالم العربي
◄: تشغيل جميع أوامر الصيانة فى cmd و powershell
◄:جميع أوامر الصيانة فى cmd (موجه الأوامر) و powershell
◄: X6 Radio v 1.0.0 (World Radio Stations)
◄: حذف اللغات الغير مرغوب بها من لوحة المفاتيح keyboard
◄:إظهار أيقونات سطح المكتب أو إخفاءها
◄:كود الخطأ NET HELPMSG 2182 مشاكل BITS
◄:رمز الخطأ اسم الملف، أو اسم الدليل، أو صيغة تسمية وحدة التخزين غير صحيحة
تعليقات
إرسال تعليق